السيد علي عاشور

73

موسوعة أهل البيت ( ع )

وإن كان النبي إماما أيضا بذلك المعنى الذي أشير إليه ، وسيأتي البحث في تحقيق معنى الإمامة والنّبوّة في تفسير قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً الآية إن شاء اللّه تعالى « 1 » . وإن شئنا ثنينا عنان البيان إلى التفصيل والتبيين ، فإنّ من تيسّر له الإستبصار في هذا الأمر الخطير فقد فاز فوزا عظيما وإلا فقد خسر خسرانا مبينا فنقول : إنّ العقل لما دلّ على أنّ وجود الإمام لطف للنّاس في ارتفاع القبيح وفعل الواجب وحفظ الدين ، وحمل الرعيّة على ما فيه مصالحهم وردعهم عمّا فيه مفاسدهم ، فهل يجوّزه العقل أن يكون عالما ببعض الأحكام دون بعض ، وإن كان في النّاس من هو أعلم وأفضل منه في الصفات الكماليّة ، وهل يأمر اللّه بالطاعة المطلقة لمن يجوز عليه الخطأ ويصدر عنه الذنوب ، ويسهو وينسى ، ويرتكب ما ينفّر الطبع عنه ، ومن يكون نقص في خلقته وعيوب في بدنه ينزجر وينفّر النفس عن مصاحبته ومجالسته ومكالمته ومن يكون غير منصوص عليه منه تعالى أو من نبيّه ؟ فهذه أمور في المقام يليق أن يبحث فيها من حيث اقتضاء العقل وحكمه ، فإنّ العقل هو المتّبع في أمثال تلك الأمور . فنقول : بعد ما استقرت الشريعة وثبتت العبادة بالأحكام ، وأنّ الإمام إمام في جميع الأمور وهو الحاكم الحاسم لموادّ النزاع ، ومتولي الحكم في سائر الدّين ، والقائم مقام النّبيّ وفرعه وخليفته ، وحجّة في الشرع فلا بدّ من أن يكون موصوفا بصفات النّبيّ وشبيها له في الصفات الكمالية وعالما بجميع الأحكام ، حتّى يصّح كونه خليفة له ويحسم به النزاع في حكم من الأحكام ، وفي سائر الأمور وإلّا فيقبح عند العقلاء خلافة من ليس بصفات المستخلف ، لأنّ غرضه لا يتمّ به ، وذلك كما أنّ ملكا من الملوك إن استوزر من ليس بعارف بأمر السياسة ، التي بها تنتظم أمور مملكته وجيوشه ورعاياه وغيرها ذمّه العقلاء بل عدّوه من السفهاء ، بل كما أنّ أحدنا لو يفوض صنعة إلى رجل لا يعرفها استحق اللوم والإزراء من العقلاء ، فكذا في المقام مع أنّ المقام أهمّ بمراتب منهما كما لا يخفى على البصير العاقل وهذا ممّا مجرد العقل كاف في إيجابه . وأيضا أنّ أحد ما احتيج فيه إلى الإمام ، كونه مبينا للشرع وكاشفا عن ملتبس الدين وغامضه ، فلا بدّ من أن يكون في ضروب العلم كاملا غير مفتقر إلى غيره ، فولاة أمر اللّه خزنة علمه وعيبة وحيه ، وإلا يتطرّق التغيير والتبديل في دين اللّه ، ولذا صرّح الشيخ الرئيس في آخر الشفاء في الفصل في الخليفة والإمام : أنّ الإمام مستقل بالسياسة وأنّه أصيل العقل ، حاصل عنده الأخلاق الشريفة من الشجاعة والعفة وحسن التدبير ، وأنّه عارف بالشريعة حتّى لا أحد أعرف منه .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 124 .