السيد علي عاشور
122
موسوعة أهل البيت ( ع )
والخلف بالتحريك والسكون كلّ ما يجي بعد من مضى ، إلّا أنّه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشرّ يقال : خلف صدق وخلف شر . وأمّا القياس فقد حققنا في المباحث السالفة أنّ للّه تعالى في كلّ واقعة حكما ، وأن الأحكام مبتنية على مصالح ومفاسد في الأشياء لا تبلغها العقول ولا يعلمها إلّا علّام الغيوب ، ولو تأمّلنا حقّ التأمل في الدّين لرأينا أنّ دين اللّه لم يبن على القياس ، فإنّ المراد بالقياس في المقام القياس الفقهي ، الذي يسمّى في علم الميزان بالتمثيل ، ومبني الشرع على اختلاف المتفقات كوجوب الصّوم آخر شهر رمضان وتحريمه أوّل شوّال ، واتفاق المختلفات كوجوب الوضوء من البول والغائط واتفاق القتل خطأ والظهار في الكفارة . مع أنّ الشارع قطع يد سارق القليل دون غاصب الكثير ، وجلد بقذف الزنا وأوجب فيه أربع شهادات دون الكفر ، وذلك كلّه ينافي القياس وقد قال رسول اللّه : تعمل هذه الأمّة برهة بالكتاب ، وبرهة بالسّنة ، وبرهة بالقياس ، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلّوا وأضلّوا . وليس القياس إلّا اتباع الهوى وقال اللّه تعالى : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ « 1 » . ولو تطرق في الشريعة العمل بالقياس لمحق الدّين ، لأنّ لكلّ أحد أن يرى برأيه ونظره مناسبة بين الحكمين ، وغالبا لا يخلو الشيئان عن مناسبة ما ، فيلزم عندئذ تحليل الحرام وتحريم الحلال ، وآراء كثيرة مردية في موضع واحد ، مع أنّ حكم اللّه واحد لا يتغير ، وقد روى شيخ الطّائفة في التهذيب بإسناده عن أبي مريم عن أبي جعفر قال : قال صلوات اللّه عليه : لو قضيت بين رجلين بقضية ثمّ عادا إليّ من قابل لم أزدهما على القول الأوّل لأنّ الحق لا يتغير « 2 » . وقد دريت آنفا أنّه ليس شيء ممّا يحتاج إليه النّاس إلّا وقد جاء فيه كتاب أو سنة ، وأنّ اللّه تعالى نص في كتابه العزيز ، أنزل في القرآن تبيان كل شيء قال تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ « 3 » . وقال تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ « 4 » . وغيرهما من الآيات الأخر ، فإذا بيّن القرآن كلّ شيء وكذا السنة ، وإن كان لا تبلغها عقول الرّجال ، فعلينا أن نطلب من عنده علم الكتاب ، وليس لنا أن نختار بالقياس والاستحسان وأمثالهما حكما نفتي به أو نعمل ، فإنّ اللّه حذرنا عن ذلك في كتابه بقوله : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ « 5 » .
--> ( 1 ) سورة ص ، الآية : 26 . ( 2 ) الأصول الأصيلة : 111 . ( 3 ) سورة النحل ، الآية : 89 . ( 4 ) سورة الأنعام ، الآية : 38 . ( 5 ) سورة القصص ، الآية : 68 .