السيد علي عاشور
121
موسوعة أهل البيت ( ع )
في الكافي بإسناده عن أبي البختري عن أبي عبد اللّه قال : إنّ العلماء ورثة الأنبياء ، وذاك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهما ولا دينارا وإنّما ورّثوا من أحاديثهم ، فمن أخذ بشي منها فقد أخذ حظّا وافرا ، فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه ، فإن فينا أهل البيت في كلّ خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين « 1 » . وحيث علم معنى العدل فيما تقدم ، وعلم أنّ الإمام المنصوب الإلهي على العدل المحض ، ويهدون بأمر اللّه تعالى إلى طريق الحق ، علم أنّ المراد بالعدول هم الأئمة الهادين المهديين لا غير ، وجاء خبر آخر في الكافي كأنه مفسر له حيث روى بإسناده عن ابن وهب قال : سمعت أبا عبد اللّه يقول : قال رسول اللّه : إنّ عند كلّ بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإيمان وليا من أهل بيتي موكّلا به يذب عنه ، ينطق بإلهام من اللّه ويعلن الحق وينوّره ويرد كيد الكائدين ، يعبّر عن الضعفاء فاعتبروا يا أولي الأبصار وتوكلوا على اللّه « 2 » . ونعم ما قال الفيض في الحديث بيانا : المراد من ورثة الأنبياء ورثتهم من غذاء الرّوح ، لأنّهم أولادهم الروحانيون الذين ينتسبون إليهم من جهة أرواحهم المتغذية بالعلم المستفاد منهم كما أنّ من كان من نسلهم ورثتهم من غذاء الجسم ، لأنّهم أولادهم الجسمانيّون ( الذين ينتسبون إليهم من جهة أجسادهم المتغذية بالغذاء الجسماني ) حظّا وافرا كثيرا لأنّ قليل العلم خير ممّا طلعت عليه الشّمس . فانظروا يعني لمّا ثبت أنّ العلم ميراث الأنبياء ، فلا بدّ أن يكون مأخوذا عن الأنبياء وعن أهل بيت النّبوّة ، الذين هم مستودع أسرارهم ، وفيهم أصل شجرة علمهم دون غيرهم ، فإنّ المجاوزين عن الوسط الحقّ يحرّفون الكلم عن مواضعه بحسب أهوائهم . والمبطلون يدّعون لأنفسهم العلم ويلبسون الحقّ بالباطل لفساد أغراضهم . والجاهلون يؤولون المتشابهات على غير معانيها المقصودة منها لزيغ قلوبهم ، فيشتبه بسبب ذلك طريق التعلّم على طلبة العلم . وفي أهل بيت النّبي صلوات اللّه عليه وعليهم في كلّ خلف بعد سلف أمة وسط ، لهم الاستقامة في طريق الحق من غير غلو ولا تقصير ولا زيغ ولا تحريف ، يعني الإمام المعصوم وخواصّ شيعته الأمناء على أسراره الحافظين لعلمه الضابطين لأحاديثه ، فإنّ الأرض لا تخلو منهم أبدا وهم لا يزالون ينفون عن العلم تحريف الغالين وتلبيس المبطلين وتأويل الجاهلين ، فخذوا علمكم عنهم دون غيرهم لتكونوا ورثة الأنبياء . وهذا الحديث ناظر إلى ما روي عن النّبيّ أنّه قال : يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وتفسير للعدول الوارد فيه « 3 » .
--> ( 1 ) الكافي : 1 / 32 ح 2 ، ووسائل الشيعة : 27 / 78 ح 2 . ( 2 ) المحاسن للبرقي : 1 / 208 ح 71 ، والكافي : 1 / 54 ح 5 . ( 3 ) بحار الأنوار : 97 / 279 ، ونهج السعادة : 7 / 43 ح 11 .