السيد علي عاشور

106

موسوعة أهل البيت ( ع )

وأسماء حسنى لائقة بذاته ، وأنّه تعالى واجب الوجود لا يشارك شيئا من الأشياء في ماهيته ، وقيوم بري عن جميع أنحاء التعلق بالغير وأنّه تعالى لم يخلق العالم وآدم عبثا ، فإنّ العبث قبيح لا يتعاطاه المبدأ الحكيم ، والمبدأ الحكيم تعالى عن أن يترك النّاس حيارى ، ولا يهديهم سبيل الخير والهدى وما يوجب لهم عنده الزلفى ، فلا بدّ من وجوب التكليف في الحكمة وإلّا فكان مغريا بالقبيح ، تعالى عن ذلك لأنّه خلق في العبد الشهوة والميل إلى القبائح والنفرة والتأبي عن الحسن ، فلو لم يقرر عبده عقله ولم يكلّفه بوجوب الواجب وقبح القبيح ويعده ويتوعده ، لكان مغريا له بالقبيح والإغراء بالقبيح قبيح ، والتكليف لا يتم إلّا بالإعلام ، وهو لا يتم إلا بإرسال الرّسل المؤدبين بآدابه المؤيدين من عنده ، بأمور قدسيّة وكرامات إلهية ومعجزات وخوارق عادات . وبالجملة من هدي عقله إلى جناب الرّب ، هدي إلى ما يتفرّع عليه ، فقد أفلح وسعد وفاز ، ولذا ترى من سنّة الأنبياء أنّ أوّل ما لقّنوا عباد اللّه كلمة لا إله إلّا اللّه ، والمروي عن خاتمهم قولوا : لا إله إلّا اللّه تفلحوا . نعم لا يجب على اللسان تلقين جميع النّاس معرفته تعالى على الوجه الذي لا يفهمه إلّا الأوحدي من النّاس ، الحكيم المتألّه المرتاض في الفنون والعلوم ، فإنّ معاشر الأنبياء بعثوا ليكلّموا النّاس على قدر عقولهم ، ولا ريب أنّ الإدراكات والنيل إلى المعارف والعلوم يتفاوت بحسب مراتب النّاس في صفاء نفوسهم وصقالتها . قال الشيخ في إلهيات الشفاء : ويكون الأصل الأوّل فيما يسنّه تعريفه إيّاهم أنّ لهم صانعا واحدا قادرا وأنّه عالم بالسرّ والعلانية ، وأنّه من حقّه أن يطاع أمره ، فإنّه يجب أن يكون الأمر لمن له الخلق ، وأنه قد أعدّ لمن أطاعه المعاد المسعد ولمن عصاه المعاد المشقي ، حتّى يتلقّى الجمهور رسمه المنزل على لسانه من الإله والملائكة بالسمع والطاعة ، ولا ينبغي له أن يشغلهم بشي من معرفة اللّه فوق معرفة أنّه واحد حق لا شبيه له . فأمّا أن يعدّي بهم إلى أن يكلفهم أن يصدّقوا بوجوده وهو غير مشار إليه في مكان ، ولا منقسم بالقول ولا خارج العالم ولا داخله ولا شيء من هذا الجنس ، فقد عظم عليهم الشغل وشوّش فيما بين أيديهم الدّين وأوقعهم فيما لا تخلّص عنه ، إلّا لمن كان المعان الموفق الذي يشذ وجوده ويندر كونه ، فإنّه لا يمكنهم أن يتصوروا هذه الأحوال على وجهها إلّا بكدّ ، وإنّما يمكن القليل منهم أن يتصوروا حقيقة هذا التوحيد والتنزيه ، فلا يلبثوا أن يكذّبوا بمثل هذا الموجود ويقعوا في تنازع ، وينصرفوا إلى المباحثات والمقايسات بمثل التي تصدّهم عن أعمالهم المدنية ، وربما أوقعهم في آراء مخالفة لصلاح المدنية ومنافية لواجب الحق ، وكثرت فيهم الشكوك والشبه وصعب الأمر على السانّ في ضبطهم ، فما كل بميسّر له في الحكمة الإلهيّة ، ولا السانّ يصلح له أن يظهر أنّ عنده حقيقة يكتمها عن العامّة ، بل يجب أن لا يرخّص في تعرض شيء من ذلك . بل يجب أن يعرّفهم جلال اللّه