السيد علي عاشور
107
موسوعة أهل البيت ( ع )
تعالى وعظمته برموز وأمثلة من الأشياء التي هي عندهم جليلة وعظيمة ، ويلقى إليهم مع هذا القدر ، أعني أنّه لا نظير له ولا شريك له ولا شبيه . وكذلك يجب أن يقرر عندهم أمر المعاد ، على وجه يتصورون كيفيته ، وتسكن إليه نفوسهم ، ويضرب للسعادة والشقاوة أمثالا ممّا يفهمونه ويتصورونه . وأمّا الحق في ذلك فلم يلح لهم منه إلا أمرا مجملا ، وهو أنّ ذلك شيء لا عين رأته ولا أذن سمعته ، وأنّ هناك من اللّذة ما هو ملك عظيم ومن الألم ما هو عذاب مقيم . وكذا قال زينون الكبير تلميذ أرسطاطاليس في رسالته في المبدأ والمعاد : النبيّ يضع السنن والشرائع ويأخذ الأمّة بالترغيب والترهيب ، يعرّفهم أنّ لهم إلها مجازيا لهم على أفعالهم يثيب على الخير ويعاقب على الشر ، ولا يكلّفهم بعلم ما لا يحتملونه ، فإنّ هذه الرتبة هي رتبة العلم أعلى من أن يصل إليها كلّ أحد . ثمّ قال : قال معلمي أرسطاطاليس حكاية عن معلمه أفلاطون : إنّ شاهق المعرفة أشمخ من أن يطير إليه كلّ طائر ، وسرادق البصيرة أحجب من أن يحوم حوله كلّ سائر . قال حبيب اللّه الخوئي : وكأنّ الشيخ الرّئيس قد لاحظ عبارة زينون فيما قاله في آخر النمط التاسع من الإشارات : جلّ جناب الحقّ عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطّلع عليه إلّا واحدا بعد واحد . قوله : ويدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم ذلك لما مرّ آنفا من أنّ الإنسان مدنى بالطبع محتاج في تعيشه وبقائه إلى اجتماع ، فلا بد لهم من سانّ معدّل يدبّر أمورهم ويعلّمهم طريق المعيشة في الدّنيا والنجاة من العذاب في العقبى ، ولولا هذا السانّ لوقع الهرج واختل أمر الاجتماع ولزم مفاسد كثيرة أخرى . ذكر بعضها من قبل . ونعم ما قال الشيخ في الشفاء : فالحاجة إلى هذا الإنسان في أن يبقي نوع الناس ، ويتحصّل وجوده أشدّ من الحاجة إلى إنبات الشعر على الأشفار وعلى الحاجبين ، وتقعير الأخمص من القدمين وأشياء أخرى من المنافع التي لا ضرورة فيها في البقاء ، بل أكثر ما لها أنّها تنفع في البقاء ، ووجود الإنسان الصالح لأن يسنّ ويعدّل ممكن ، فلا يجوز أن تكون العناية الأولى تقتضي تلك المنافع ، ولا تقتضي هذه التي هي أسّها ، ولا أن يكون المبدأ الأوّل والملائكة بعده يعلم ذلك ولا يعلم هذا ، ولا أن يكون ما يعلمه في نظام الخير الممكن وجوده الضروري حصوله ، لتمهيد نظام الخير ولا يوجد بل كيف يجوز أن يوجد ، وما هو متعلق بوجوده مبني على وجوده موجود فواجب إذن أن يوجد نبيّ . ثمّ إنّ في قوله : يدلونهم على مصالحهم ، إشارة إلى ما ذهب إليه العدلية من أنّ الأحكام الإلهية متفرعة على مصالح ومفاسد لا كما مال إليه الأشعري .