السيد علي عاشور
105
موسوعة أهل البيت ( ع )
الشارع منهم باستحقاق الطاعة ليطيعه الباقون في قبول الشريعة . واستحقاق الطاعة إنّما يتقرر بآيات تدلّ على كون تلك الشريعة من عند ربّه ، وتلك الآيات هي معجزاته وهي إمّا قولية وإمّا فعلية ، والخواصّ للقوليّة أطوع ، والعوام للفعلية أطوع . ولا تتم الفعلية مجرّدة عن القوليّة لأنّ النبوّة والإعجاز لا يحصلان من غير دعوة إلى خير ، فإذن لا بدّ من شارع هو نبيّ معجزة وهذه قاعدة ثالثة . ثمّ إنّ العوام وضعفاء العقول يستحقرون اختلال عدل النّافع ، في أمور معاشهم بحسب النّوع عند استيلاء الشوق عليهم إلى ما يحتاجون إليه بحسب الشخص ، فيقدمون على مخالفة الشرع ، وإذا كان للمطيع والعاصي ثواب وعقاب أخرويان يحملهم الرجاء والخوف على الطاعة وترك المعصية ، فالشريعة لا تنتظم بدون ذلك انتظامها به ، فإذن وجب أن يكون للمحسن وللمسي جزاء من عند الإله القدير على مجازاتهم ، الخبير بما يبدونه أو يخفونه من أفكارهم وأقوالهم وأفعالهم ، ووجب أن يكون معرفة المجازي والشارع واجبة على الممتثلين للشريعة في الشريعة ، والمعرفة العامّية قلما تكون يقينيّة ، فلا تكون ثابتة فوجب أن يكون معها سبب حافظ لها وهو التذكار المقرون بالتكرار ، والمشتمل عليهما إنما تكون عبادة مذكّرة للمعبود ، مكررة في أوقات متتالية كالصلوات وما يجري مجراها ، فإذن يجب أن يكون النبي داعيا إلى التصديق بوجود خالق مدبّر خبير ، وإلى الإيمان بشارع مبعوث من قبله صادق ، وإلى الاعتراف بوعد ووعيد أخرويين ، وإلى القيام بعبادات يذكر فيها الخالق بنعوت جلاله ، وإلى الانقياد لقوانين شرعيّة يحتاج إليها النّاس في معاملاتهم ، حتّى تستمرّ بذلك الدّعوة إلى العدل المقيم لحياة النّوع وهذه قاعدة رابعة . ثمّ إنّ جميع ذلك مقدّر في العناية الأولى لاحتياج الخلق إليه ، فهو موجود في جميع الأوقات والأزمنة ، وهو المطلوب وهو نفع لا يتصور نفع أعمّ منه . وقد أضيف لممثلي الشرع إلى هذا النفع العظيم الدنياوي الأجر الجزيل الأخروي حسب ما وعده ، وأضيف للعارفين منهم إلى النفع العاجل والأجر الآجل الكمال الحقيقي المذكور ، فانظر إلى الحكمة وهي تبقية النظام على هذا الوجه ، ثمّ إلى الرّحمة وهو إيفاء الأجر الجزيل بعد النفع العظيم ، وإلى النعمة وهي الابتهاج الحقيقي المضاف إليهما ، تلحظ جناب مفيض هذه الخيرات جنايا تبهرك عجائبه ، أي تغلبك وتدهشك . ثمّ أقم أي أقم الشرع ، واستقم أي في التوجه إلى ذلك الجناب المقدس . وإذا علم ذلك فلنرجع إلى بيان سائر فقرات الحديث ، قوله : يعبّرون عنه إلى خلقه وعباده . قال الجوهري في الصّحاح : عبّرت عن فلان إذا تكلمت عنه . والمراد أنّ الأصل الأوّل فيما يسنّه هذا السانّ المعدّل الإلهي هو إيقاظ فطرة النّاس من نوم الغفلة عن مبدئ العالم عزّ وجلّ ، وإنارة عقولهم من أنوار المعرفة به تعالى ، وإثارة نفوسهم إلى الوصول ببابه والحضور إلى جنابه ، فإنّ الإيمان باللّه أصل شجرة الدّين ، وأساس بنيان السّنة والشريعة ، وسائر الأصول والفروع متفرع عليه ، فمن عرف اللّه حقّ معرفته عرف أنّ له صفات عليا