السيد علي عاشور
58
موسوعة أهل البيت ( ع )
أما أولا : فلأن احتمال توبة الشخص الكافر وجواز رجوعه إلى الإسلام لا يوجب رفع اليد عن لعنه المترتب على كفره المحقق كسائر الأحكام المترتبة على كفره ، لأن اليقين لا تنقض إلا بيقين مثله ، ولو كان مجرد الاحتمال كافيا لجاز الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين وتجهيزه وتكفينه مثل سائر المسلمين وليس فليس . وأما ثانيا : فلأن معنى لعن أشخاص الكفار طلب العذاب في حقهم لاستحقاقهم بالفعل له ، وتجويز توبتهم لا يمنع من جواز الدعاء عليهم ، لتبدّل الأحكام بتبدل الموضوعات ، ألا ترى أن اللّه يكره الفاسق ويبغضه حال فسقه ويحبه حال توبته مع أنه عالم بما يؤول أمره . وأما ثالثا : فلأن قوله : معنى قولنا : رحمه اللّه ، أي ثبته اللّه على الإسلام الذي هو سبب الرحمة ولا يمكن أن يقال : ثبت اللّه الكافر على ما هو سبب اللعنة فيه أنه لم يفهم معنى الرحمة واللعنة إذ ليس معناهما طلب التثبيت على الإسلام والكفر ، بل طلب الثواب لمن كان ثابتا على إسلامه ، وطلب العقاب على من كان ثابتا على كفره . وأما رابعا : فلأنه لا فرق بين جواز اللعن على اليهود عموما وبين جوازه على أشخاصهم ، لأنه إن كان معناه طلب الثبات والاستمرار على الكفر على ما توهمه فلا يجوز مطلقا ، وإن كان المراد منه الإبعاد عن رحمة اللّه فالكل بعيد منها حالة اليهودية الأشخاص والأنواع ، وجواز التوبة كما يمكن في حق الشخص يمكن في حق النوع ، والقرب والبعد لا تتفاوت فيه أحكام الشريعة ، وبالجملة النوع ليس إلا عبارة عن الأشخاص المجتمعة ، والتفرقة بينهما سفسطة . الثاني : أن قوله : فلا خطر في السكوت عن لعن إبليس فضلا عن غيره ، يظهر منه أن بينه وبين إبليس محابة وأخوة لا يرضى بلعنه ، ولا غرو في ذلك لأنه قائد الضلال بوسوسته وهذا قائد الضلال بسفسطته ، وهو كافر باللّه ، وهذا كافر بولاية ولىّ الإله ، فلهما اشتراك في المذهب ، ومشاركة في المذاق والمشرب ، وإلا فلم لا يرضى بلعنه مع أن استحقاق الكفار والظالمين للعن والطرد والإبعاد إنما هو لأجل الكفر والظلم ، وهذا الملعون أول كافر باللّه كما يدل عليه قوله تعالى : أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ « 1 » . وأيضا فلنا برسول اللّه أسوة حسنة ، وكلما جرى على لسانه الشريف ذكر هذا الملعون أردفه بالطعن واللعن ، فيجب لنا اتباعه في أقواله وأفعاله ، ولو كان السكوت عن لعنه حسنا لم يتخذه سنّة . مع أن التبرّي من أولياء الضلال ظاهرا وباطنا بأي نحو كان واجب ، واللعن من جملة أنحاء التبرّي كالإهانة والإذلال والتوهين والسب والإزراء ونحوها . الثالث : ما قاله في حق يزيد اللعين ابن اللعين من أنه لم يثبت كونه آمرا بقتل الحسين دليل
--> ( 1 ) البقرة : 34 .