السيد علي عاشور
147
موسوعة أهل البيت ( ع )
خطبة الحسين الأولى في كربلاء وكان ذلك اليوم يوم الخميس وهو الثاني من المحرّم سنة إحدى وستّين فقام الحسين عليه السّلام خطيبا في أصحابه وقال : إنّه قد نزل من الأمر ما ترون وأنّ الدّنيا تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها وإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة ، فقام زهير بن القين وقال : يا بن رسول اللّه لو كانت الدّنيا لنا باقية لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها وتكلّم أصحابه عليه السّلام مثل كلام زهير فساروا مع الحرّ حتّى نزلوا كربلاء في اليوم الثاني من المحرّم وقال : هذه أرض كرب وبلاء فبكى ساعة ، وقال : اللّهمّ إنّا عترة نبيّك وقد أخرجنا وطردنا وأزعجنا عن حرم جدّنا وتعدّت بنو أميّه علينا ثمّ قال هذه الأرض مناخ ركابنا ومحطّ رحالنا ومقتل رجالنا وسفك دمائنا ، وكتب الحرّ إلى ابن زياد : إنّ الحسين نزل كربلاء فأرسل عمر بن سعد في أربعة آلاف فارس فنزل نينوى وأرسل إلى الحسين عليه السّلام : ما الذي أتى بك ؟ فقال : كتبكم ، فإذا كرهتموني فأنا أنصرف عنكم ، ثمّ إنّ ابن زياد أرسل إليه الخيل والرجال حتّى تكاملت عنده ثلاثون ألفا فنزلوا على شاطئ الفرات وحالوا بينه وأصحابه وبين الماء وأضرّ العطش بأصحاب الحسين فأخذ عليه السّلام فأسا وحفر فنبعت عين من الماء فشربوا بأجمعهم وغارت العين وبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى ابن سعد أن امنعهم حفر الآبار ولا تدعهم يذوقوا الماء . فبعث عمرو بن الحجّاج في خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وبين الماء وذلك قبل قتل الحسين عليه السّلام بثلاثة أيّام ونادى ابن حصين : يا حسين ألا تنظرون إلى الماء كأنّه كبد السماء واللّه لا تذوقون منه قطرة حتّى تموتوا عطشا . فقال الحسين عليه السّلام : اللّهم اقتله عطشا ، قال حميد بن مسلم : واللّه لقد رأيته بعد ذلك يشرب الماء ثمّ يقيئه ويصيح العطش العطش وهكذا حتّى خرجت روحه ولمّا رأى الحسين عليه السّلام نزول العساكر مع ابن سعد أرسل إليه : أريد أن ألقاك فاجتمعا وتناجيا طويلا ثمّ رجع ابن سعد إلى مكانه وكتب إلى ابن زياد : هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى أو إلى أحد الثغور فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم . فلمّا قرأ الكتاب قال : هذا كتاب ناصح مشفق على قومه فقام إليه شمر فقال : لئن رحل الحسين من بلادك ليكوننّ قويّا وأنت ضعيف فلا تعطه هذه المنزلة ولكن ينزل على حكمك ، فقال ابن زياد : نعم ما رأيت فكتب إلى ابن سعد : لم أبعثك إلى الحسين لتمنّيه السلامة ولا لتكون له عندي شفيعا أنظر إن نزل حسين على حكمي فابعث به إليّ سالما وإن أبى فاقتله وأصحابه ومثّل بهم فإن قتلت حسينا فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنّه عات ظلوم فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع وإن أبيت فاعتزل وخل بين شمر وبين العسكر فأقبل شمر بكتاب ابن زياد إلى ابن سعد .