السيد علي عاشور
148
موسوعة أهل البيت ( ع )
فلمّا قرأ الكتاب قال : لا قرّب اللّه دارك واللّه إنّي لأظنّك نهيته عمّا كتبت به إليه واللّه لا يبايع الحسين ؛ إنّ نفس أبيه بين جنبيه فقال له الشمر : إن لم تمض لأمر أميرك وإلّا فخلّ بيني وبين الجند ، قال : لا وكرامة لك ولكن أنا أتولّى ذلك ودونك فكن على الرجّالة ، وجاء شمر حتّى وقف على أصحاب الحسين فقال : أين بنو أختنا فخرج إليه جعفر والعبّاس وعثمان بنو عليّ فقال لهم : أنتم يا بني أختي آمنون فقالوا له : لعنك اللّه ولعن إمامك أتؤمننا وابن رسول اللّه لا أمان له . ثمّ نادى ابن سعد : يا خيل اللّه اركبي فرجف الناس إليهم بعد العصر والحسين عليه السّلام جالس أمام بيته محتب بسيفه فخفق برأسه على ركبتيه وسمعت أخته الصيحة فدنت من أخيها وقالت : يا أخي ما تسمع هذه الأصوات ؟ فرفع الحسين عليه السّلام رأسه فقال : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الساعة في المنام وهو يقول : إنّك تروح إلينا غدا فلطمت وجهها ونادت بالويل ، فقال الحسين عليه السّلام للعبّاس إمض إليهم وأخّرهم إلى غد لعلّنا نصلّي لربّنا هذه الليلة وندعوه ونستغفره ، فمضى إليهم وأجّلوه إلى غد فجمع أصحابه عند المساء فقال لهم : إنّي أذنت لكم فانطلقوا في حلّ هذا الليل قد غشيكم فقالوا : نفعل ذلك لنبقى بعدك لا أرانا اللّه ذلك أبدا ، بدأهم بذلك العبّاس ثمّ قام إليه ابن عوسجة فقال : لو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ولو علمت أنّي أقتل ثمّ أحيا ثمّ أحرق ثمّ أحيا ثمّ أذرّى يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها ، وتكلّموا مثل كلامه فجزاهم الحسين عليه السّلام خيرا وانصرف إلى منزله . وقيل لبشر بن محمد الحضرمي في تلك الحال قد أسر ابنك بثغر الريّ ، فقال : عند اللّه أحتسبه ونفسي فسمع الحسين عليه السّلام قوله فقال له : أنت في حلّ من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك فقال : أكلتني السباع حيّا إن فارقتك فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار لفكاك ابنه ، وبات الحسين عليه السّلام وأصحابه تلك الليلة ولهم دويّ كدويّ النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد فلمّا كان الغداة أمر الحسين عليه السّلام بفسطاط فضرب وأمر بجفنة فيها مسك كثير فجعل فيها نورة ثمّ دخل ليطلي وأصحابه بعده فجعل برير يضاحك عبد الرحمن الأنصاري فقال له عبد الرحمن : ما هذه ساعة ضحك ، فقال : إنّما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه فو اللّه ما هو إلّا نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم ساعة ثمّ نعانق الحور العين . وقال عليّ بن الحسين عليه السّلام : إنّي جالس في تلك الليلة التي قتل أبي في صبيحتها فدخل أبي في خباء له يعالج سيفه ويصلحه ويقول شعرا : يا دهر أف لك من خليل * كم لك في الإشراق والأصيل من طالب وصاحب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل وإنّما الأمر إلى الجليل * وكلّ حيّ سالك سبيلي