السيد علي عاشور

125

موسوعة أهل البيت ( ع )

المخزومي ، وغيرهما ووردت عليه كتب أهل المدينة من عبد اللّه بن جعفر ، وسعيد بن العاص « 1 » وجماعة كثيرين كلهم يشيرون عليه أن لا يتوجه إلى العراق وأن يقيم بمكة . هذا كلّه والقضاء غالب على أمره ، والقدر آخذ بزمامه ، فلم يكترث بما قيل له ولا بما كتب إليه ، وتجهز وخرج من مكة يوم الثلاثاء وهو يوم التروية الثامن من ذي الحجة ، ومعه اثنان وثمانون رجلا من أهله وشيعته ومواليه « 2 » ، فسار فلما وصل إلى الشقوق « 3 » وإذا هو بالفرزدق الشاعر وقد وافاه هنالك ، فسلّم عليه ودنا منه فقبّل يده فقال له الحسين عليه السّلام : ( من أين أقبلت يا أبا فراس ؟ ) . فقال : من الكوفة . فقال عليه السّلام : ( وكيف تركت أهل الكوفة ) . قال : خلّفت قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أميّة ، وقد قل الديّانون ، والقضاء ينزل من السماء واللّه يفعل في خلقه ما يشاء . وجرى بينهما كلام تقدم ذكر طرف منه في آخر الفصل الثامن ، ثم ودّعه الفرزدق في نفر من أصحابه ومضى يريد الكوفة . فقال له ابن عم له من بني مجاشع : يا أبا فراس هذا الحسين بن علي . فقال له الفرزدق : نعم ، هذا الحسين بن علي وابن فاطمة الزهراء بنت محمّد المصطفى صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هذا واللّه ابن خيرة اللّه وأفضل من مشى على الأرض ، وقد كنت قلت فيه قبل اليوم أبياتا غير متعرض لمعروفه بل أردت وجه اللّه والدار الآخرة فلا عليك أن تسمعها . فقال ابن عمه : إن رأيت أن تسمعنيها يا أبا فراس . فقال : قلت فيه وفي أمّه وأبيه وجدّه : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد اللّه كلهم * هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلم هذا حسين رسول اللّه والده * أمست بنور هداه تهتدي الأمم هذا ابن فاطمة الزهراء عترتها * في جنة الخلد مجريا به القلم

--> ( 1 ) تنص المصادر التاريخية أن خروجه عليه السّلام من مكة إلى العراق كان سنة 60 هجرية ، وأن سعيد بن العاص قد توفى في قصره بالعرصه - على ثلاثة أميال من المدينة - ودفن بالبقيع سنة 58 هجرية على ما رواه ابن حجر في تهذيب التهذيب 4 / 49 ، وعلى هذا فيكون الصحيح هو عمرو بن سعيد بن العاص الذي كان عامل يزيد ابن معاوية على مكة ، وهذا الأخير هو الذي كتب إلى الحسين عليه السّلام كتابا وبعثه مع أخيه يحيى بن سعيد بن العاص . ( 2 ) الفتوح : 5 / 44 - 77 ، مقتل أبي مخنف : 22 - 70 ، مقتل الخوارزمي : 1 / 220 . ( 3 ) الشقوق : منزل بطريق مكة بعد واقصة من الكوفة وبعدها . معجم البلدان : 3 / 356 .