السيد علي عاشور
119
موسوعة أهل البيت ( ع )
وقال عليه السّلام : « لولا الآجال التي كتب اللّه لهم لماتوا شوقا إلى اللّه والثواب » « 1 » . وأنسه بالموت والشهادة ما هو إلّا الحب وعشق لقاء اللّه تعالى ؛ نعم أمير الموحدين عليه السّلام كان صابرا على المكروه ، ولكن ليست هي الشهادة والقتل ؛ إنّما صبره على فراق اللّه والبعد عن جواره ، هو المكروه : « إلهي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك » « 2 » . وعليه فلو لا مسألة الصبر على المكروه ، فإن جواب الشيخ المفيد متين وعلى كل حال هو أفضل الأجوبة المتقدّمة . نعم هذه ليست عقيدة الشيخ المفيد لأنّه استبعد علم أمير المؤمنين عليه السّلام وغيره من الأئمة بموتهم ووقت ذلك ، ونفى وجود أثر في ذلك « 3 » . ولسنا في صدد الرد عليه ، إنّما أنت خبير بوجود الأثر المستفيض ، وقد تقدّم منه شئ يسير ، ونقلت لك الروايات في علمهم بموتهم وعلمهم بالمغيبات . * الجواب الثامن : [ أن علم الإمام بذلك لا يؤثر ولا يمنع وقوع القتل ] ما ذكره العلّامة الطباطبائي في تفسيره ملخّصه بقوله : ( فلو فرض حصول علم بحقائق الحوادث على ما هي عليها في متن الواقع لم يؤثر ذلك في إخراج حادث منها ، وإن كان اختياريا عن ساحة الوجوب إلى حدّ الإمكان ) « 4 » . مراده أنّه لو فرض علم الإمام مثلا بوقت قتله وساعته ، فإن علمه بذلك لا يؤثر ولا يمنع وقوع القتل من باب أن حدوث القتل يستند إلى علل وشرائط ، فإذا تمّت وجب تحقّق الفعل والقتل ، كتحقّق أي معلول عند حصول علّته التامّة . * أقول : صحيح إن العلل إذا تمّت وجب تحقق المعلول ، وإن الشرائط إذا توفرت وجب حصول القتل ، ولكن في ما نحن فيه من إقدام الإمام عليه السّلام على القتل مع علمه به ، وأنه لا يلزم منه المساعدة على التهلكة ؛ في مثل هذا نحن نحاول معرفة مدخلية علم الإمام في قتله ، وهل هو مخيّر أم غير مخيّر ، وهل هو يعلم بذلك أو لا ؟ وتقدّم في الروايات كونه عالما بقتله وكونه مخيّرا في ذلك ، وإنه اختار الأفضل ، وهو القتل والقرب من اللّه تعالى ، ولو كان الأفضل هو البقاء لاختاره . والخلاصة : ظاهر كلامه عدم اختيار الإمام في زمن قتله ، وهذا مناف لبعض الأخبار المتقدّمة . نعم ؛ لا يقال اختيار الإمام ينافي قانون العلية ، لأنّا نقول لو اختار الإمام البقاء لما قتل ، ولما
--> ( 1 ) نهج البلاغة : 2 / 161 ، والبحار : 68 / 193 . ( 2 ) فقرة من دعاء كميل ، إقبال الأعمال : 708 ط . الحجرية . ( 3 ) المسائل العكبرية : 6 / 70 . ( 4 ) تفسير الميزان : 18 / 193 .