السيد علي عاشور
120
موسوعة أهل البيت ( ع )
انهدم قانون العلية الظاهري ، إذ يكشف عندها عن عدم تحقّق كافة العلل ، وهذا لا يلزم معه كون قبول الإمام بقتله في هذا الوقت أحد أجزاء العلّة التامّة . على أنه لو كان يحمل على عشق الإمام للقاء اللّه تعالى وفعله المستحيل من أجل ذلك . الجواب التاسع وهو الصحيح : [ أنّ العلّة التي اقتضت هبوطهم من عالم الأنوار وعرش الرحمن ترتفع ، وإذا ارتفعت العلّة وجب أن يعودوا إلى مقرّهم الطبيعي ] إننا قدمنا سابقا - الولاية التكوينية - أن آل محمد كانوا أنوارا حول عرش اللّه ، وإنّما أنزلهم اللّه إلى الدنيا لهداية البشر المتوقفة عليهم . ومعلوم أن هذا الهبوط خلاف طبع الأولياء والعرفاء . واللّه سبحانه وتعالى أنزلهم على فترات مختلفة ابتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتى الإمام المهدي ( عج ) ، وجعل لكل إمام عليه السّلام مدّة محدّدة يقضي فيها مع أصحابه ليهديهم ، فإذا انتهت مدّة الإمام الأوّل انتقلت المهمة إلى الإمام الثاني وهكذا . وعند انتهاء مدّة الإمام الأوّل ، فإنّ العلّة التي اقتضت هبوطهم من عالم الأنوار وعرش الرحمن ترتفع ، وإذا ارتفعت العلّة وجب أن يعودوا إلى مقرّهم الطبيعي . ويؤيّده قول رسول اللّه للرضا عليهما السّلام : « ما عندنا خير لك » « 1 » . وقد تقدّم أيضا في الكتاب أحاديث أن الإمام قلبه مع اللّه وشخصه مع الخلق ، فهو عيشه الدائم مع اللّه ، ولكن لمصلحة الهداية كان مع البشر . ويؤيّده ما تقدّم في الإمام الحسين عليه السّلام أنّه خيّر بين النصر ولقاء اللّه فاختار لقاء اللّه « 2 » . وما روي عن إمامنا زين العابدين عليه السّلام : « واللّه لا يشغلني شيء عن شكره وذكره في ليل ولا نهار وسرّ ولا علانية ، ولولا لأهلي علي حقا ولسائر الناس في خاصهم وعامهم علي حقوقا لا يسعني إلّا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أؤديها إليهم ؛ لرميت بطرفي إلى السماء وبقلبي إلى اللّه ثم لم أردهما حتى يقضي اللّه على نفسي وهو خير الحاكمين » « 3 » . ويؤيّده أيضا ما روي عن الإمام الرضا عليه السّلام في سبب إقدام أمير المؤمنين عليه السّلام على الصلاة في المسجد مع علمه بابن ملجم وقتله له قال عليه السّلام : « ذلك كان ولكنّه خيّر في تلك الليلة لتمضي مقادير اللّه عزّ وجلّ « 4 » . وتكون مقادير اللّه أن مدّة إمامة الإمام الأوّل عليه السّلام انتهت ليأتي الإمام الثاني . وبعبارة مختصرة : ليس الإشكال في سبب موت الإمام عليه السّلام وعروجه إلى مقام قاب قوسين أو أدنى ، إنّما الإشكال في هبوط الإمام من مقامه إلى هذه الدنيا .
--> ( 1 ) الكافي : 1 / 260 ح 8 و 6 . ( 2 ) المصدر السابق . ( 3 ) الآداب المعنوية للصلاة : 313 . ( 4 ) أصول الكافي : 1 / 259 باب علمهم بموتهم .