السيد علي عاشور
97
موسوعة أهل البيت ( ع )
الحسن عليه السّلام فخطب الناس ووبّخهم ، وقال : خالفتم أبي حتى حكّم وهو كاره ، ثم دعاكم إلى قتال أهل الشام بعد التحكيم ، فأبيتم حتى صار إلى كرامة اللّه ، ثم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني ، وتحاربوا من حاربني ؛ وقد أتاني أنّ أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية ، وبايعوه ؛ فحسبي منكم ، لا تغرّوني في ديني ونفسي . وأرسل عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب - وأمه هند بنت أبي سفيان بن حرب - إلى معاوية يسأله المسالمة ، واشترط عليه العمل بكتاب اللّه وسنة نبيّه ، وألّا يبايع لأحد من بعده ، وأن يكون الأمر شورى ، وأن يكون الناس أجمعون آمنين . وكتب بذلك كتابا ، فأبى الحسين عليه السّلام ، وامتنع ؛ فكلّمه الحسن حتى رضي ، وقدم معاوية إلى الكوفة . قال أبو الحسن : وحدّثنا أبو بكر بن الأسود ، قال : كتب ابن العباس إلى الحسن : أمّا بعد فإن المسلمين ولّوك أمرهم بعد عليّ عليه السّلام ، فشمّر للحرب ، وجاهد عدوّك ، وقارب أصحابك ، واشتر من الظّنين « 1 » دينه بما لا يثلم « 2 » لك دينا « 3 » ، ووال أهل البيوتات والشّرف ، تستصلح به عشائرهم ، حتى يكون الناس جماعة ؛ فإنّ بعض ما يكره الناس - ما لم يتعد الحقّ ؛ وكانت عواقبه تؤدي إلى ظهور العدل وعزّ الدين - خير من كثير مما يحبّه الناس إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور وذلّ المؤمنين ، وعزّ الفاجرين . واقتد بما جاء عن أئمّة العدل ، فقد جاء عنهم أنه لا يصلح الكذب إلّا في حرب أو إصلاح بين الناس ؛ فإنّ الحرب خدعة ؛ ولك في ذلك سعة إذا كنت محاربا ، ما لم تبطل حقّا . واعلم أنّ عليّا أباك إنّما رغب الناس عنه إلى معاوية ، أنّه أساء بينهم في الفيء ، وسوّي بينهم في العطاء ، فثقل عليهم ؛ واعلم أنّك تحارب من حارب اللّه ورسوله في ابتداء الإسلام ؛ حتى ظهر أمر اللّه ، فلمّا وحّد الرب ، ومحق الشرك ، وعزّ الدين ، أظهروا الإيمان وقرأوا القرآن مستهزئين بآياته ، وقاموا إلى الصلاة وهم كسالى ، وأدّوا الفرائض وهم لها كارهون ؛ فلما رأوا أنه لا يعزّ في الدّين إلّا الأتقياء الأبرار ، توسّموا بسيماء الصّالحين ، ليظنّ المسلمون بهم خيرا ، فما زالوا بذلك حتى شركوهم في أماناتهم ، وقالوا : حسابهم على الله ؛ فإن كانوا صادقين فإخواننا في الدين ، وإن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين ، وقد منيت بأولئك وبأبنائهم وأشباههم واللّه ما زادهم طول العمر الّا غيّا ولا زادهم ذلك لأهل الدين إلّا مقتا ؛ فجاهدهم ولا ترض دنيّة ، ولا تقبل خسفا « 4 » ؛ فإنّ عليا لم يجب إلى الحكومة حتى غلب على أمره فأجاب ؛ وإنهم يعلمون أنّه أولى
--> ( 1 ) الظنين : « المتهم » . ( 2 ) يثلم : يعيب . ( 3 ) عيون الأخبار ( 1 / 14 ) : يفك . ( 4 ) خسفا : أي ذلا .