السيد علي عاشور
98
موسوعة أهل البيت ( ع )
بالأمر إن حكموا بالعدل ، فلمّا حكموا بالهوى ، رجع إلى ما كان عليه حتى أتى عليه أجله ، ولا تخرجنّ من حق أنت أولى به ، حتى يحول الموت دون ذلك . والسّلام . قال المدائنيّ : وكتب الحسن عليه السّلام إلى معاوية : من عبد اللّه الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان . أما بعد فإنّ اللّه بعث محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رحمة للعالمين ، فأظهر به الحقّ ، وقمع به الشّرك ، وأعزّ به العرب عامّة ، وشرّف به قريشا خاصّة ، فقال : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ « 1 » ؛ فلمّا توفاه اللّه تنازعت العرب في الأمر بعده ، فقالت قريش : نحن عشيرته وأولياؤه ، فلا تنازعونا سلطانه ، فعرفت العرب لقريش ذلك ؛ وجاحدتنا قريش ما عرفت لها العرب ، فهيهات ! ما أنصفتنا قريش وقد كانوا ذوي فضيلة في الدّين ، وسابقة في الإسلام ؛ ولا غرو « 2 » إلّا منازعته إيّانا الأمر بغير حق في الدنيا معروف ، ولا أثر في الإسلام محمود ، فاللّه الموعد ، نسأل اللّه ألّا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ينقصنا عنده في الآخرة . إنّ عليا لمّا توفّاه اللّه ولّاني المسلمون الأمر بعده ، فاتق اللّه يا معاوية وانظر لأمة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما تحقن به دماءها ، وتصلح به أمرها . والسّلام . وبعث بالكتاب مع الحارث بن سويد التيميّ ، تيم الرّباب ، وجندب الأزديّ ، فقدما على معاوية فدعواه إلى بيعة الحسن عليه السّلام فلم يجبهما ، وكتب جوابه : أمّا بعد ، فقد فهمت ما ذكرت به رسول اللّه ، وهو أحقّ الأوّلين والآخرين بالفضل كلّه ، وذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده ، فصرّحت بتهمة أبي بكر الصديق وعمر وأبي عبيدة الأمين ، وصلحاء المهاجرين ، فكرهت لك ذلك ؛ إنّ الأمّة لمّا تنازعت الأمر بينها رأت قريشا أخلقها به ؛ فرأت قريش والأنصار وذوو الفضل والدين من المسلمين أن يولّوا من قريش أعلمها باللّه ، وأخشاها له ؛ وأقواها على الأمر ، فاختاروا أبا بكر ولم يألوا ، ولو علموا مكان رجل غير أبي بكر يقوم مقامه ويذبّ عن حرم الإسلام ذبّه ما عدلوا بالأمر إلى أبي بكر ، والحال اليوم بيني وبينك على ما كانوا عليه ، فلو علمت أنّك أضبط لأمر الرعيّة ، وأحوط على هذه الأمة ، وأحسن سياسة ، وأكيد للعدوّ ، وأقوى على جمع الفيء ، لسلّمت لك الأمر بعد أبيك ؛ فإنّ أباك سعى على عثمان حتى قتل مظلوما ، فطالب اللّه بدمه ؛ ومن يطلبه اللّه فلن يفوته . ثم ابتزّ الأمّة أمرها ، وفرّق جماعتها ، فخالفه نظراؤه من أهل السابقة والجهاد والقدم في الإسلام ، وادّعى أنهم نكثوا بيعته ، فقاتلهم فسفكت الدماء ؛ واستحلّت الحرم ، ثم أقبل إلينا لا يدّعى علينا بيعة ؛ ولكنه يريد أن يملكنا اغترارا ، فحاربناه وحاربنا ، ثم صارت الحرب إلى أن أختار رجلا واخترنا رجلا ليحكما بما تصلح عليه الأمّة وتعود به الجماعة والألفة ، وأخذنا بذلك عليهما ميثاقا وعليه مثله وعلينا مثله ، على الرضا بما حكما ، فأمضى الحكمان عليه الحكم بما علمت ، وخلعاه ، فوالله ما رضي بالحكم ، ولا صبر لأمر الله ؛
--> ( 1 ) سورة الزخرف ، الآية : 44 . ( 2 ) لا غرو : أي لا عجب .