السيد علي عاشور
89
موسوعة أهل البيت ( ع )
وسار « 1 » الحسن عليه السّلام في عسكر عظيم وعدّة حسنة ، حتى نزل دير عبد الرحمن ، فأقام به ثلاثا حتى اجتمع الناس ، ثم دعا عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب ، فقال له : يا بن عمّ ، إني باعث إليك اثنا عشر ألفا من فرسان العرب وقرّاء المصر ، الرجل منهم يزيد « 2 » الكتيبة ، فسر بهم ، وألن لهم جانبك ، وابسط لهم وجهك ، وافرش لهم جناحك ، وأدنهم من مجلسك ، فإنّهم بقية ثقات أمير المؤمنين ، وسر بهم على شطّ الفرات حتى تقطع بهم الفرات ، ثم تصير إلى مسكن ، ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية ، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك ، فإنّي على أثرك وشيكا ، وليكن خبرك عندي كلّ يوم ، وشاور هذين - يعني قيس بن سعد وسعيد بن قيس - وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك ، فإن فعل فقاتله ، وإن أصبت فقيس بن سعد على الناس ، وإن أصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على النّاس « 3 » . فسار عبيد اللّه حتى انتهى إلى شينور « 4 » ، حتى خرج إلى شاهى « 5 » ، ثم لزم الفرات والفلّوجة « 6 » : حتى أتى مسكن « 7 » ، وأخذ الحسن على حمّام عمر حتى أتى دير كعب ، ثم بكّر فنزل ساباط دون القنطرة ، فلمّا أصبح نادى في الناس : الصّلاة جامعة ! فاجتمعوا ، فصعد المنبر فخطبهم فقال : الحمد للّه كلّما حمده حامد ، وأشهد أن لا إله إلّا اللّه كلّما شهد له شاهد ، وأشهد أن محمدا رسول اللّه ، أرسله بالحق ، وائتمنه على الوحي ، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . أما بعد ، فو اللّه إنّى لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد اللّه ومنّه وأنا أنصح خلقه لخلقه ، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة ، ولا مريد له بسوء ولا غائلة . ألا وإنّ ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبّون في الفرقة ؛ ألا وإنّي ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم ، فلا تخالفوا أمري ، ولا تردّوا عليّ رأيي . غفر اللّه لي ولكم ، وأرشدني وإيّاكم لما فيه محبّته « 8 » ورضاه ، إن شاء الله ! ثم نزل . قال : فنظر الناس بعضهم إلى بعض ، وقالوا : ما ترونه يريد بما قال ؟ قالوا : نظنّه يريد أن يصالح معاوية ، ويكل الأمر إليه ، كفر واللّه الرجل ! ثم شدّوا على فسطاطه . فانتهبوه حتى أخذوا مصلّاه من تحته ؛ ثم شدّ عليه عبد الرحمن بن عبد اللّه بن جعال الأزديّ ، فنزع مطرفه عن عاتقه ، فبقي جالسا متقلّدا سيفا بغير رداء ، فدعا بفرسه فركبه ، وأحدق به طوائف من خاصّته وشيعته ، ومنعوا منه من أراده ، ولاموه وضعّفوه لما تكلّم به ؛ فقال : ادعوا إليّ ربيعة وهمدان ، فدعوا له ،
--> ( 1 ) مقاتل الطالبيين : « ثم إن الحسن . . . » . ( 2 ) في نسخة : « يزن » . ( 3 ) بعدها في مقاتل الطالبيين : « ثم أمره بما أراد » . ( 4 ) شينور : صقع بالعراق ، وفي ب « سينور » تحريف . ( 5 ) شاهى : موضع قرب القادسية . ( 6 ) ياقوت : « فلاليج السواد : قراها ، واحدها الفلوجة ، والفلوجة الكبرى ، والفلوجة الصغرى : قريتان كبيرتان من سواد بغداد والكوفة قرب عين التمر » . ( 7 ) مسكن : موضع على نهر دجيل . ( 8 ) مقاتل الطالبيين : « لما فيه المحبة والرضا » .