السيد علي عاشور

88

موسوعة أهل البيت ( ع )

جماعة النّاس فأعلمني ؛ وجاءه سعيد بن قيس الهمدانيّ ، فقال له : أخرج ، فخرج الحسن عليه السّلام ، وصعد المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أمّا بعد ؛ فإنّ اللّه كتب الجهاد على خلقه ، وسمّاه كرها « 1 » ، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين : إصبروا إنّ اللّه مع الصابرين ، فلستم أيّها الناس نائلين ما تحبّون إلّا بالصبر على ما تكرهون . بلغني أنّ معاوية بلغه أنّا كنا أزمعنا على المسير إليه ؛ فتحرّك لذلك ، أخرجوا رحمكم اللّه إلى معسكركم بالنّخيلة حتى ننظر وتنظروا ، ونرى وتروا . قال : وإنّه في كلامه ليتخوّف خذلان الناس له ، قال : فسكتوا فما تكلّم منهم أحد ، ولا أجابه بحرف . فلمّا رأى ذلك عديّ بن حاتم قام فقال : أنا ابن حاتم ! سبحان الله ! ما أقبح هذا المقام ! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيّكم ! أين خطباء مضر [ أين المسلمون ؟ أين الخواضون من أهل المصر ] « 2 » الذين ألسنتهم كالمخاريق « 3 » في الدّعة ، فإذا جدّ الجدّ فروّاغون كالثعالب ، أما تخافون مقت اللّه ولا عيبها وعارها . ثم استقبل الحسن بوجهه ، فقال : أصاب اللّه بك المراشد ، وجنّبك المكاره ووفّقك لما يحمد ورده وصدره . قد سمعنا مقالتك ، وانتهينا إلى أمرك ، وسمعنا لك وأطعناك فيما قلت وما رأيت ، وهذا وجهي إلى معسكري ، فمن أحبّ أن يوافيني فليواف . ثم مضى لوجهه ، فخرج من المسجد ودابته بالباب ، فركبها ومضى إلى النّخيلة ، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه . وكان عديّ بن حاتم أوّل الناس عسكر « 4 » . وقام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ ومعقل بن قيس الرياحيّ وزياد بن صعصعة التّيمي ، فأنّبوا النّاس ولاموهم وحرّضوهم ، وكلّموا الحسن عليه السّلام بمثل كلام عديّ بن حاتم في الإجابة والقبول ، فقال لهم الحسن عليه السّلام : صدقتم رحمكم اللّه ! ما زلت أعرفكم بصدق النيّة والوفاء والقبول والمودّة الصحيحة ، فجزاكم اللّه خيرا ثم نزل . وخرج النّاس فعسكروا ، ونشطوا للخروج ، وخرج الحسن إلى العسكر ، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب ، وأمره باستحثاث النّاس وإشخاصهم إليه ، فجعل يستحثّهم ويستخرجهم حتى يلتئم العسكر .

--> ( 1 ) هو من قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ . ( 2 ) من مقاتل الطالبيين . ( 3 ) المخاريق : جمع مخراق ؛ وهو المنديل أو نحوه يلوى فيضرب به . ( 4 ) في نسخة : « عسكرا » .