السيد علي عاشور
68
موسوعة أهل البيت ( ع )
يلصق بأشكاله ولم ير مع الصبيان في ملاعبهم بعد إسلامه ؟ ! . بل ما رأيناه إلّا ماضيا على إسلامه ، مصمما في أمره محققا لقوله بفعله قد صدّق إسلامه بعفافه وزهده ولصق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من بين جميع من بحضرته . وقد ذكر هو عليه السّلام في كلامه وخطبه بدء حاله وافتتاح أمره حيث أسلم لّما دعا رسول اللّه الشجرة فأقبلت تخذ الأرض فقالت قريش : ساحر خفيف السحر . فقال علي عليه السّلام : « يا رسول اللّه أنا أول من يؤمن بك آمنت باللّه ورسوله وصدّقتك فيما جئت به ، وأنا أشهد أنّ الشجرة فعلت ما فعلت بأمر اللّه تصديقا لنبوّتك وبرهانا على دعوتك » . فهل يكون إيمان قط أصح من هذا الإيمان ؟ ! وأوثق عقدة وأحكم مرّة ؟ ! ولكن حنف العثمانية وغيظهم وعصبية الجاحظ وانحرافه مما لا حيلة فيه « 1 » . إذا إيمانه كان عن تفكّر وتدبّر سابق حتى آمن إيمانا مبرما عارفا بأنّ على النبي أن يقدم المعاجز وأنها بأمر اللّه تعالى . وأيضا إيمانه كان تفكر لاحق المتمثل باستمرارية هذا الإيمان بل تزايده يوما بعد يوم ، والشواهد جمة . ومن المنبّه على ذلك ما يروى لنا عندما كان يصلي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وقبل البعثة - كان يحرسه أمير المؤمنين ويرصد له حتى إذا انتهى قام أمير المؤمنين يصلي وأخذ يرصد نبي الرحمة له « 2 » . ورواه البلاذري وابن كثير مع زيد بن حارثة قال : قال الزهري وسليمان بن يسار وعمران ابن أبي أنس وعروة بن الزبير : « أول من أسلم زيد بن حارثة ، وكان هو وعلي يلزمان النبي وكان يخرج إلى الكعبة أول النهار ويصلّي صلاة الضحى ، وكانت قريش لا تنكرها وكان إذا صلّى غيرها قعد علي وزيد يرصدانه » « 3 » . فهكذا كان إسلام أمير المؤمنين عن بصيرة وتعقل وإدراك وتفكر واطمئنان . ثم حتى لو سلّمنا صغر سنّ أمير المؤمنين عليه السّلام في هذه الفترة فإنه لا يقدح في هديه وتعقله ؟ كيف والقرآن يحدّثنا عن النبي يحيى وعيسى بقوله : يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا « 4 » .
--> ( 1 ) شرح النهج : 13 / 244 الخطبة 238 ، والغدير : 2 / 287 عن كتابه على العثمانية . ( 2 ) كنز الفوائد : 127 . ( 3 ) الكامل في التاريخ : 1 / 485 ذكر الاختلاف في أول من أسلم ، وأمتاع الاسماع للمقريزي : 1 / 17 ، وأنساب الأشراف : 1 / 113 ح 218 مبعث النبي . ( 4 ) مريم : 12 و 29 .