السيد علي عاشور
94
موسوعة أهل البيت ( ع )
وقال أمير المؤمنين عليه السّلام : « جل مقام آل محمد عن وصف الواصفين ونعت الناعتين ، وأنى يقاس بهم أحد من العالمين وكيف وهم النور الأول . . . » « 1 » . وأخرج سبط ابن الجوزي بسنده إلى أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال بعد حمد اللّه : « لمّا أراد اللّه أن ينشئ المخلوقات ويبدع الموجودات أقام الخلائق في صورة قبل دحو الأرض ورفع السماوات ، ثم أفاض نورا من نور عزه فلمع قبسا من ضيائه وسطع . ثم اجتمع في تلك الصورة وفيها هيئة نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال له تعالى : أنت المختار وعندك مستودع الأنوار وأنت المصطفى المنتخب الرضاء المنتجب المرتضى ، من أجلك أضع البطحاء وأرفع السماء وأجري الماء وأجعل الثواب والعقاب والجنة والنار ، وأنصّب أهل بيتك علما للهداية ، وأودع أسرارهم من سريّ بحيث لا يشكل عليهم دقيق ، ولا يغيب عنهم خفي ، وأجعلهم حجتي على بريتي والمنبهين على قدري والمطّلعين على أسرار خزائني . ثم أخذ الحق سبحانه عليهم الشهادة بالربوبية والإقرار بالوحدانية وأن الإمامة فيهم والنور معهم ، ثم إن اللّه أخفى الخليفة في غيبه وغيبها في مكنون علمه ونصب العوالم وموج الماء وأثار الزبد وأهاج الدخان فطفا عرشه على الماء ، ثم أنشأ الملائكة من أنوار ابتدعها وأنواع اخترعها ، ثم خلق اللّه الأرض وما فيها . ثم قرن بتوحيده نبوة نبيه محمد وصفيّه ، فشهدت السماوات والأرض والملائكة والعرش والكرسي والشمس والقمر والنجوم وما في الأرض له بالنبوة ، فلما خلق آدم أبان للملائكة فضله وأراهم ما خصّه به من سابق العلم ، فجعله محرابا وقبلة لهم فسجدوا له وعرفوا حقه . ثم بين لآدم حقيقة ذلك النور ومكنون ذلك السر ، فلما حانت أيامه أودعه شيئا ، ولم يزل ينتقل من الأصلاب الناظرة إلى الأرحام الطاهرة إلى أن وصل إلى عبد المطلب ثم إلى عبد اللّه ، ثم إلى نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فدعا الناس ظاهرا وباطنا وندبهم سرا وعلانية واستدعى الفهوم إلى القيام بحقوق ذلك السر اللطيف وندب العقول إلى الإجابة لذلك المعنى المودع في الذر قبل النسل ، فمن وافقه قبس من لمحات ذلك النور واهتدى إلى السر وانتهى إلى العهد المودع في باطن الأمر وغامض العلم ، ومن غمرته الغفلة وشغلته المحنة استحق البعد . ثم لم يزل ذلك النور ينتقل فينا ويتشعشع في غرائزنا ، فنحن أنوار السماوات والأرض وسفن النجاة ، وفينا مكنون العلم وإلينا مصير الأمور وبمهدينا تقطع الحجج ، فهو خاتم الأئمة ومنقذ الأمة ومنتهى النور وغامض السر ، فليهن من استمسك بعروتنا وحشر على محبتنا » « 2 » .
--> ( 1 ) مشارق أنوار اليقين : 116 . ( 2 ) تذكرة الخواص : 121 - 122 الباب السادس - المختار من كلام علي - خطبة في مدح النبي والأئمة .