السيد علي عاشور

118

موسوعة أهل البيت ( ع )

لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ « 1 » ، فقد كان صلّى اللّه عليه واله وسلّم بينهم وهو أحدهم لا يتسامى في فضل ولا ينطق بعلم حتّى لم يأت بشيء من شعر أو نثر نحوا من أربعين سنة وهو ثلثا عمره لا يحوز تقدّما ولا يرد عظيمة من عظائم المعالي ثمّ أتى بما أتى به دفعة ، فأتى بما عجزت عنه فحولهم وكلّت دونه ألسنة بلغائهم ، ثمّ بثّه في أقطار الأرض فلم يجترئ على معارضته معارض من عالم أو فاضل أو ذي لبّ وفطانة . وغاية ما أخذوه عليه : أنّه سافر إلى الشام للتجارة فتعلّم هذه القصص ممّن هناك من الرهبان . ولم تكن أسفاره إلى الشام إلّا مع عمّه أبي طالب قبل بلوغه ، وإلّا مع ميسرة مولى خديجة وسنّه يومئذ خمسة وعشرون ، وهو مع من يلازمه في ليله ونهاره . ولو فرض محالا ذلك فما هذه المعارف والعلوم ؟ ومن أين هذه الحكم والحقائق ؟ وممّن هذه البلاغة في البيان الذي خضعت له الرقاب وكلّت دونه الألسن الفصاح ؟ وما أخذوه عليه أنّه كان يقف على قين بمكّة من أهل الروم كان يعمل السيوف ويبيعها ، فأنزل اللّه سبحانه : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ « 2 » . وما قالوا عليه أنّه يتعلّم بعض ما يتعلّم من سلمان الفارسيّ وهو من علماء الفرس عالم بالمذاهب والأديان ، مع أنّ سلمان إنّما آمن به في المدينة ، وقد نزل أكثر القرآن بمكّة وفيها من جميع المعارف الكلّيّة والقصص ما نزلت منها بمدينة بل أزيد ، فما الذي زاده إيمان سلمان وصحابته ؟ على أنّ من قرأ العهدين وتأمّل ما فيهما ثمّ رجع إلى ما قصّه القرآن من تواريخ الأنبياء السالفين وأممهم رأى أنّ التاريخ غير التاريخ والقصّة غير القصّة ، ففيهما عثرات وخطايا لأنبياء اللّه الصالحين تنبو الفطرة وتتنفّر من أن تنسبها إلى المتعارف من صلحاء الناس وعقلائهم ، والقرآن يبرّئهم منها ، وفيها أمور أخرى لا يتعلّق بها معرفة حقيقيّة ولا فضيلة خلقيّة ، ولم يذكر القرآن منها إلّا ما ينفع الناس في معارفهم وأخلاقهم وترك الباقي وهو الأكثر « 3 » . وقال الإمام الباقر عليه السّلام : أقبل أبو جهل بن هشام ومعه قوم من قريش فدخلوا على أبي طالب فقالوا : إنّ ابن أخيك قد آذانا وآذى آلهتنا ، فادعه ومره فليكفّ عن آلهتنا ونكفّ عن إلهه . قال : فبعث أبو طالب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم فدعاه ، فلمّا دخل النّبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم لم ير في البيت إلّا مشركا ، فقال : السّلام على من اتّبع الهدى ، ثمّ جلس ، فخبّره أبو طالب بما جاؤوا له ، فقال : أوهل لهم في كلمة

--> ( 1 ) يونس : 16 . ( 2 ) النحل : 103 . ( 3 ) انظر تفسير الميزان : 1 / 63 .