السيد علي عاشور

117

موسوعة أهل البيت ( ع )

من لا يؤمن بآياته ، وإذ كان مؤمنا بآيات اللّه فهو لا يفتري على اللّه الكذب ؛ فإنّه لا يفتري عليه إلّا من لا يؤمن بآياته ، فليس هذا القرآن بمفترى ، ولا مأخوذا من بشر ومنسوبا إلى اللّه سبحانه كذبا . فقوله : لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ جواب عن أوّل شقّي الشبهة ؛ وهو أن يكون القرآن بلفظه مأخوذا من بشر على نحو التلقين . والمعنى : أنّ لسان الرجل الذي يلحدون - أي يميلون - إليه وينوونه بقولهم : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ أعجميّ أي غير فصيح بيّن ، وهذا القرآن المتلوّ عليكم لسان عربيّ مبين ، وكيف يتصوّر صدور بيان عربيّ بليغ من رجل أعجميّ اللسان ؟ وقوله : إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ . . . إلى آخر الآيتين جواب عن ثاني شقّي الشبهة ؛ وهو أن يتعلّم منه المعاني ثمّ ينسبها إلى اللّه افتراء . والمعنى : أنّ الذين لا يؤمنون بآيات اللّه ويكفرون بها لا يهديهم اللّه إليه وإلى معارفه الحقّة الظاهرة ولهم عذاب أليم ، والنبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم مؤمن بآيات اللّه لأنّه مهديّ بهداية اللّه ، وإنّما يفتري الكذب وينسبه إلى اللّه الذين لا يؤمنون بآيات اللّه وأولئك هم الكاذبون المستمرّون على الكذب ، وأمّا مثل النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم المؤمن بآيات اللّه فإنّه لا يفتري الكذب ولا يكذب ، فالآيتان كنايتان عن أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم مهديّ بهداية اللّه مؤمن بآياته ، ومثله لا يفتري ولا يكذب . والمفسّرون قطعوا الآيتين عن الآية الأولى ، وجعلوا الآية الأولى هي الجواب الكامل عن الشبهة ، وقد عرفت أنّها لا تفي بتمام الجواب . ثمّ حملوا قوله : وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ على التحدّي بإعجاز القرآن في بلاغته . وأنت تعلم أن لا خبر في لفظ الآية عن أنّ القرآن معجز في بلاغته ولا أثر عن التحدّي ، ونهاية ما فيه أنّه عربيّ مبين لا وجه لأن يفصح عنه ويلفظه أعجميّ . ثمّ حملوا الآيتين التاليتين على تهديد أولئك الكفرة بآيات اللّه الرامين لرسوله صلّى اللّه عليه واله وسلّم بالافتراء ، ووعيدهم بالعذاب الأليم ، وقلب الافتراء والكذب إليهم بأنّهم أولى بالافتراء والكذب بما أنّهم لا يؤمنون بآيات اللّه فإنّ اللّه لم يهدهم . ثمّ تكلّموا بالبناء عليه في مفردات الآيتين بما يزيد في الابتعاد عن حقّ المعنى . وقد عرفت أنّ ذلك يؤدّي إلى عدم كفاية الجواب في حسم الإشكال من أصله « 1 » . وقال في مبحث إعجاز القرآن في تحدّيه بمن انزل عليه ما نصّه : وقد تحدّى بالنبيّ الامّي الذي جاء بالقرآن المعجز في لفظه ومعناه ، ولم يتعلّم عند معلّم ولم يتربّ عند مربّ ، بقوله تعالى : قُلْ

--> ( 1 ) تفسير الميزان : 12 / 347 .