السيد علي عاشور
104
موسوعة أهل البيت ( ع )
وكانت العرب تسمّيه بذلك قبل مبعثه ، لما شاهدوه من أمانته ، وكلّ من أمنت منه الخلف والكذب فهو أمين ، ولهذا وصف به جبرئيل عليه السّلام فقال : مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ « 1 » . وعن ابن إسحاق : كانت قريش تسمّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم قبل أنينزل عليه الوحي : الأمين « 2 » . وقال : - في بناء الكعبة قبل البعثة - : ثمّ إنّ القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها ، كلّ قبيلة تجمع على حدة ، ثمّ بنوها ، حتّى بلغ البنيان موضع الرّكن - يعني الحجر الأسود - فاختصموا فيه ، كلّ قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى . . . ثمّ إنّهم اجتمعوا فيالمسجد وتشاوروا وتناصفوا ، فزعم بعض أهلا لرّواية : أنّ أبا اميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزومو كان عامئذ أسنّ قريش كلّها - قال : يا معشر قريش ، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ، ففعلوا . فكان أوّل داخل عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم ، فلمّا رأوه قالوا : هذا الأمين ، رضينا ، هذا محمّد . فلمّا انتهى إليهم وأخبروه الخبر ، قال صلّى اللّه عليه واله وسلّم : هلمّ إليّ ثوبا ، فاتي به ، فأخذ الرّكن فوضعه فيه بيده ، ثمّ قال : لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثّوب ، ثمّ ارفعوه جميعا ، ففعلوا ، حتّى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ، ثمّ بنى عليه « 3 » . وعن ابن عبّاس أو محمّد بن جبير بن مطعم - في بناء الكعبة - : فلمّا انتهوا إلى حيث يوضع الرّكن من البيت قالت كلّ قبيلة : نحن أحقّ بوضعه ، واختلفوا حتّى خافوا القتال ، ثمّ جعلوا بينهم أوّل من يدخل من باب بني شيبة فيكون هو الّذي يضعه ، وقالوا : رضينا وسلّمنا ، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم أوّل من دخل من باب بني شيبة ، فلمّا رأوه قالوا : هذا الأمين ، قد رضينا بما قضى بيننا « 4 » . وعن داود بن الحصين - في صفة النّبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم - : كان رجلا أفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقا ، وأكرمهم مخالطة ، وأحسنهم جوارا ، وأعظمهم حلما وأمانة ، وأصدقهم حديثا ، وأبعدهم من الفحش والأذى ، وما رثي ملاحيا ولا مماريا أحدا ، حتّى سمّاه قومه الأمين ، لما جمع اللّه له من الأمور الصّالحة فيه ، فلقد كان الغالب عليه بمكّة الأمين « 5 » . وعن ابن إسحاق : كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرّجال في مالها وتضاربهم إيّاه بشيء تجعله لهم ، وكانت قريش قوما تجّارا ، فلمّا بلغها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم ما بلغها من صدق حديثه ، وعظم أمانته ، وكرم أخلاقه ، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشّام تاجرا « 6 » .
--> ( 1 ) كشف الغمّة : 1 / 11 . ( 2 و 3 ) سيرة ابن هشام : 1 / 210 وص 209 . ( 4 ) الطبقات الكبرى : 1 / 146 . ( 5 ) الطبقات الكبرى : 1 / 121 . ( 6 ) سيرة ابن هشام : 1 / 199 .