ثامر هاشم حبيب العميدي

18

المهدي المنتظر ( ع ) في الفكر الإسلامي

وهذا وإن لم يصحّ لمسلم الإحتجاج به لما منيت به كتب العهدين من تحريف وتبديل ، إلّا أنّه يدلّ وبوضوح على معرفة أهل الكتاب بالمهدي ، ثم اختلافهم فيما بعد في تشخيصه ، إذ ليس كلّ ما جاء به الإسلام قد تفرّد به عن الأديان السابقة ، فكثير من الأمور الكلّية التي جاء بها الإسلام كانت في الشرائع السابقة قبله . قال الشاطبي : « وكثير من الآيات أخبر فيها بأحكام كلّية كانت في الشرائع المتقدّمة وهي في شريعتنا ، ولا فرق بينهما » « 1 » . وإذا تقرّر هذا فلا يضرّ اعتقاد المسلم بصحّة ما بشّر به النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلم من ظهور رجل من أهل بيته في آخر الزمان ، أن يكون هذا المعتقد موجودا عند أهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) أو عند غيرهم ممّن سبق الإسلام ، ولا يخرج هذا المعتقد عن إطاره الإسلامي بعد أن بشّر به النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلم وبعد الإيمان بأنّه صلّى اللّه عليه واله وسلم وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى « 2 » . وأما عن إعتقادات الشعوب المختلفة بأصل هذه الفكرة كما مرّ ، فيمكن تفسيرها على أساس أنّ فكرة ظهور المنقذ لا تتعارض مع فطرة الإنسان وطموحاته وتطلّعاته ، ولو فكّر الإنسان قليلا في إشتراك معظم الشعوب بأصل الفكرة لأدرك أنّ وراء هذا الكون حكمة بالغة في التدبير ، يستمدّ الإنسان من خلالها قوّته في الصمود إزاء ما يرى من انحراف وظلم وطغيان ، ولا يترك فريسة يأسه دون أن يزوّد بخيوط الأمل والرجاء بأنّ

--> - ليسوا بأئمّة ، ولا يرد مثل هذا على ما لم يكن إماما وهو محسن ، لأنّ ولادته من فاطمة عليها السّلام بالمباشرة ، ولهذا قال الأستاذ سعيد أيّوب : « هذه هي أوصاف المهدي ، وهي نفس أوصافه عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية » ثم علّق عليه في هامش ص 379 بما يدلّ على تقارب الأوصاف . وهذا وإن كان ممكنا إلّا أنّ اعتقاد الشيعة وغيرهم بظهور المهدي في آخر الزمان لم يكن على أساس الإستدلال بما في كتب العهدين كما سنبينه مفصّلا في هذا الكتاب . ( 1 ) الموافقات / الشاطبي المالكي 3 : 117 ، المسألة الرابعة . ( 2 ) سورة النجم : 53 : 3 - 4 .