عبد الكريم الزبيدي
236
عصر السفياني
وقوله : تأتيكم مزمومة . . . أي أنّها تأتيكم يقودها ويعدّ لوازمها أقوام زحفوا بها عليكم ، يحفّزونها أي يحثونها ، ليقرّوا بها في دياركم ، وفيكم يحطون رحالهم . ثم وصف هؤلاء الأقوام بأنهم قوم شديد كلبهم ، أي يقتلون ويهلكون كل شيء يصادفونه ، كالكلب المسعور الذي به داء الكلب . قليل سلبهم ، أي أن هدفهم القتل ، وليس السلب ، فلا يسلبون المقتول إلا نادرا . ووصف الجيش الذي يدخل البصرة بأنه لا رهج له ولا حسّ أي لا غبار يثيره ، كما تفعل الخيل . ( الرهج : الغبار ) ، ولا قطع يفعله برؤوس أعدائه ، كما تفعل الجيوش التي تقاتل بالسيوف . ( الحسّ : قطع الرؤوس ، أو الاستئصال ) . وقد قال جماعة من شارحي خطب نهج البلاغة أن أمير المؤمنين عليه السّلام يشير بهذه الخطبة إلى فتنة صاحب الزنج في البصرة . وواضح من تحليل هذه الخطبة أن أمير المؤمنين يتحدث عن جيش غير جيش صاحب الزنج الذي كانت فتنته في القرن الثالث الهجري ، فإن الجيش الذي يتحدث عنه جيش يمضي منتصرا ، لا تردّ له راية ، وأن هدفه القتل فحسب لا السلب . والمعروف أن أتباع صاحب الزنج كان هدفهم السلب ، لفقرهم . والجيش الذي وصفه أمير المؤمنين لا ينطبق إلا على الجيوش العصرية التي تستخدم الطائرات والصواريخ البعيدة المدى ، والعربات التي تسير على الطرق المعبدة ولا تثير غبارا ، وتستعمل الأسلحة المتطورة التي لا تقتل كما يقتل السيف بالقطع . إن أمير المؤمنين يخبر عن جيش يدخل البصرة له مواصفات الجيوش العصرية المتطورة ، كالجيش الأمريكي . وأضف إلى ذلك كله أن أمير المؤمنين عليه السّلام وصف الذين يجاهدون ذلك الجيش الزاحف إلى العراق ، ليحطّ رحاله فيه بأنهم قوم أذلّة عند المتكبرين . في الأرض مجهولون ، أي : يحسبهم المتكبرون أذلّة ، وهم مجهولون في الأرض ، لأنهم من الطبقة الفقيرة التي لا يقيم الناس لها وزنا . وأنهم في السماء معروفون ، لأن أهل السماء