عبد الكريم الزبيدي

237

عصر السفياني

يعرفون قدر هؤلاء ، بسبب إيمانهم ، وزهدهم في الدنيا ، وجهادهم في سبيل اللّه . ولا يمكن أن يصف أمير المؤمنين عليه السّلام الذين يقاتلون صاحب الزنج بهذه الصفات ، لأن المعروف أن الذي قاتل صاحب الزنج هم جيش المعتمد العباسي . أما الخطبة الثانية فإن أمير المؤمنين يخبر عن قائد سياسي وعسكري يسير بجيشه نحو العراق ، ويدخل مدينة البصرة . ثم يصف ذلك الجيش بأنه جيش لا يثير غبارا في حركته ، ولا لجب فيه ، أي : لا صهيل في خيله ، وليس لفرسانه أصوات وصياح عند النزال ( اللّجب هو صهيل خيل الفرسان ، وأصوات الفرسان عند النزال ) ولا قعقعة لجم أي : لا يسمع في هذا الجيش أصوات اضطراب اللّجم بين أسنان الخيل ( اللّجم : جمع لجام . وقعقعتها : ما يسمع من صوت اضطرابها في أسنان الخيل ) ، ولا حمحمة خيل ، أي : ليس لخيله أصوات حين تأكل الشعير ، أي أن خيله لا تأكل ( حمحم الفرس : أي صاح صوتا ليس بالعالي حين يأكل ) . ثم وصف ذلك الجيش بأنهم يثيرون الأرض بأقدامهم ، كأنها أقدام النعام أي يهيّجون الأرض وينشرونها بأقدامهم التي تشبه أقدام النعام ، كناية عن الآليات التي يركبونها في حركتهم وتنقلاتهم . ثم حذّر أهل البصرة من هؤلاء الذين لا يندب قتيلهم ، ولا يفتقد غائبهم ، أي أن القتيل منهم لا تقوم عليه النساء بإظهار الحزن وتعداد محاسنه ، كما يفعل العرب في الميّت أو القتيل منهم ، وأن الغائب من هؤلاء لا يعلن عن فقدانه . وقد قال بعض شارحي نهج البلاغة إن الإمام عليّا يشير بهذه الخطبة إلى صاحب الزنج وجيشه . إن صفات ذلك الجيش الذي أخبر عنه الإمام عليّ لا تنطبق إلا على الجيوش العصرية ، لأن خيل ذلك الجيش لا صهيل لها ، ولا يصوّت أفراده عند النزال ، لأنهم لا ينازلون أقرانهم كما كانت الفرسان تفعل في العصور القديمة ، بل يقاتلون أقرانهم من بعيد كما تفعل