الشيخ محمد السند
19
دعوى السفارة في الغيبة الكبرى
الآيات التي تتحدّث عن المكنة والقدرة التي أعطاها الباري تعالى لإبليس من التأثير على نفوس بني آدم إلّا المخلَصين ، وهي درجة من الملكوت لم ترقَ إليها القوى العظمى للدول البشرية عبر التاريخ إلى يومنا الحاضر ، هذا مضافاً إلى تسخيره لمردة الشياطين والعفاريت جنوداً له ليسترقوا السمع ويراقبوا جمع البشرية من لدن آدم ( ع ) إلى يوم الوعد المعلوم . ويبيّن أمير المؤمنين ( ع ) أن هذه المكنة والقدرة لم تُعطَ لإبليس اللعين جزافاً واعتباطاً ، قال ( ع ) : « فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذ أحبط عمله الطويل ، وجهده الجهيد وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة ، لا يدرى أمن سِني الدنيا أم من سِني الآخرة ، عن كبر ساعة واحدة . فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته ؟ كلّا » « 1 » . فهذه الستة آلاف سنة التي لا يُدرى أنها من سِني الأرض أو من سِني السماء التي عبد الله تعالى فيها ، هي التي أوجبت الجزاء له بهذا التمكين ، فهو قد ارتاض هذه المدّة ومضى حقباً في الرياضة الروحية لكن ابتغى بها نتيجة بخسة ، وهي التمكين في دار الدنيا من سلطان الملكوت النازل ، وهو في الآخرة من الأخسرين . ومنها : العفريت من الشياطين ، قال تعالى : قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي « 2 » ) فبيّن تعالى أن القدرة التي تمكّن منها العفريت نظير المكنة التي كانت
--> ( 1 ) نهج البلاغة 137 : 2 / الخطبة القاصعة : الرقم 192 . ( 2 ) النمل : 38 - 40 .