المجمع العالمي لأهل البيت ( ع ) - لجنة التأليف
31
أعلام الهداية
قوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الأحرار » « 1 » . إنّ عبادة الإمام ليست شيئا من سلبيّة الخائف الهارب أو التاجر الراغب كما هي الحال عند الكثيرين من المتعبّدين ، بل هي شيء من إيجابية الإنسان العظيم الواعي نفسه والكون على أساس من خبرة المجرّب وعقل الحكيم وقلب الشاعر . وبهذا المفهوم للتقوى والعبادة كان عليّ يوجّه الناس إلى أن يتّقوا اللّه في سبيل الخير الإنساني العام ، أو قل : في سبيل أمر أجلّ من رغبة تجّار العبادات في نعيم الآخرة ، كان يوجّههم إلى التقوى لعلّ فيها ما يحملهم على أن يعدلوا وينصفوا المظلوم من الظالم فيقول : « عليكم بتقوى اللّه . . . وبالعدل على الصديق والعدوّ » « 2 » . ولا خير في التقوى في نظر الإمام ؛ إلّا إذا دفعتك إلى أن تعترف بالحقّ قبل أن تشهد عليه ، وألّا تحيف على من تبغض ولا تأثم ، والحياة - بهذا المعنى للعبادة - لا تبتغى لمتاع ولا ترجى للذّة عابرة . زهده ( عليه السّلام ) : لقد زهد عليّ في الدنيا وتقشّف ، وكان صادقا في زهده كما كان صادقا في كلّ ما نتج عن يمينه أو بدر من قلبه ولسانه ، زهد في لذّة الدنيا وسبب الدولة وعلّة السلطان وكلّ ما يطمح لبلوغه الآخرون ، ويرون أنّه مرتكز وجودهم ، فإذا هو يسكن مع أولاده في بيت متواضع تأوي اليه الخلافة لا الملك ، وإذا هو يأكل الشعير تطحنه امرأته بيديها فيما كان عمّاله يعيشون على أطايب الشام وخيرات مصر ونعيم العراق ، وكثيرا ما كان يأبى على زوجته أن تطحن له ، فيطحن لنفسه وهو أمير المؤمنين ، ويأكل من الخبز اليابس الذي يكسره على ركبته ، وكان إذا أرعده البرد واشتدّ عليه الصقيع لا يتّخذ له عدّة من دثار يقيه أذى البرد ، بل
--> ( 1 ) نهج البلاغة طبعة صبحي الصالح : 510 الحكمة 237 ط دار الهجرة قم . ( 2 ) بحار الأنوار : 77 / 236 باب وصيّة أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) ط الوفاء .