السيد صدر الدين الصدر العاملي
143
المهدي ( ع )
الإنسان وانحرافها وطول عمره وقصره ، فكم من إنسان قتله الحرّ والبرد ، أو أماته شدّة الألم والسقام ، أو سلب حياته وقع المصائب والمؤلمات ، أو ابلى جديده تأثير الهموم والغموم ، أو انحلّ جسمه من شدّة الأعمال والحركات ، ولولا ذلك لعاش طويلا ؟ لو فرض الإنسان رعاية مقرّرات حفظ الصحّة في الأصول الثلاثة المتقدمة فما هو المانع من أن يعيش إلى ما شاء اللّه ، ويتنعّم في هذه الحياة مئات من السنين بل ألوفا ؟ إنّي كلّما أفكر في هذا الموضوع وأراجع بعض الكتب المناسبة لا أرى مانعا ودليلا يدلّ على الخلاف ، بل ربّما كان الواجد أن يشهد بوجود المقتضي فضلا عن عدم المانع . إنّ أسرار الحياة والقوى المودّعة في الإنسان لم تزل غامضة خفية ، والطب مع رقيه اليوم لم يقف عليها تماما ، ولم يعرف حقيقتها على ما هي عليها كما صرّح به بعض أحبابنا من الأطبّاء . قال : وطالما دعيت إلى عيادة مريض فرأيته بحسب القواعد الطبيّة قريبا من الموت ، بل احتمال حياته واحد في المائة ، فخرجت من عنده وأنا آيس من حياته ، وعدته ثانيا بعد ساعات أو في اليوم الثاني فرأيته صحيحا ، واحتمال الموت فيه واحد في المائة ، وربّما دعيت إلى عيادة مريض فشاهدت عكس الأوّل . نعم ، إنّ طول عمر الإنسان مئات من السنين خلاف العادة بمعنى أنّ اجتماع موجبات حفظ الصحّة من جميع الجهات والخصوصيّات التي أشرنا إليها سابقا أمر نادر جدا ، ولم يتّفق لغالب الناس في غالب الأمكنة في غالب الأزمنة ، ولكن لو فرض اجتماعها فطول العمر بلغ ما بلغ جاريا على وفق العادة والنواميس الطبيعيّة ، والمخالفة إنّما هي في اجتماع الأسباب لا في موجبات طول العمر . وأنت إذا أحطت خبرا بما ذكرنا ووقفت على ما سيأتي من مقال المقتطف تعرف أنّ قوله سبحانه وتعالى في سورة الصافّات في ذيل قصّة يونس على نبيّنا وآله وعليه السلام : فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ « 1 » جرى مجرى
--> ( 1 ) . الصافات ( 37 ) الآيات 143 و 144 .