العلامة الحلي

37

نهاية الوصول الى علم الأصول

ويرشدك إلى وجوده في زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قول الرسول لأمير المؤمنين عليه السّلام عندما بعثه إلى اليمن : قال علي عليه السّلام : بعثني رسول اللّه إلى اليمن ، قلت : يا رسول اللّه تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء ؟ قال : فضرب بيده في صدري وقال : « اللّهمّ اهد قلبه وثبّت لسانه » فوالذي نفسي بيده ما شككت في قضاء بين اثنين . « 1 » وقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمعاذ بن جبل حين وجّهه إلى اليمن : بم تقضي ؟ قال : بما في كتاب اللّه ، قال : فإن لم تجد ؟ قال : بما في سنّة رسول اللّه ، قال : فإن لم تجد ؟ قال : اجتهد رأيي ولا آلو جهدا ، فسرّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقال : الحمد للّه الذي وفّق رسول رسوله بما يرضي رسوله . « 2 » « وبطبيعة الحال ، أنّ الصحابي قد يسمع من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في واقعة ، حكما ويسمع الآخر في مثلها خلافه ، وتكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين وغفل أحدهما عن الخصوصية أو التفت إليها وغفل عن نقلها مع الحديث فيحصل التعارض في الأحاديث ظاهرا ، ولا تنافي واقعا ، ولهذه الأسباب وأضعاف أمثالها ، احتاج حتى نفس الصحابة الذين

--> ( 1 ) . أعلام الورى : 137 ؛ والبحار : 21 / 361 . وشتان بين علمه واجتهاده عليه السّلام وعلم الآخرين واجتهادهم . ( 2 ) . الطبقات الكبرى : 2 / 347 ؛ الاستيعاب ، لابن عبد البر ، في ترجمة « معاذ » واللفظ للثاني . أقول : لو صح الحديث يكون المراد منه باعتبار وروده في أمر القضاء ، هو فصل الخصومة في الأموال والنفوس ، بما يعدها العقلاء عدلا وإنصافا وهذا المراد من قوله : اجتهد رأيي . وعندئذ لا يكون الحديث دليلا على صحة مطلق الرأي حتى المستند إلى القياس والاستحسان وأشباههما التي لا قيمة لها عندنا في عالم الاستنباط .