الفيض الكاشاني
46
نقد الأصول الفقهية
القول في ادلّة العقل وفيه سبعة أصول أصل : خلوّ الذمّة عن الشواغل . فإذا ادّعى مدّع حكما شرعيّا جاز لخصمه أن يتمسّك في انتفائه بالبراءة الأصليّة « 1 » ، فيقول : لو كان ذلك الحكم ثابتا لكانت عليه دلالة شرعية لكن ليس كذلك ، فيجب نفيه . ولا يتمّ هذا الدليل إلّا ببيان مقدّمتين . إحداهما : إنّه لا دلالة عليه شرعا بأن تضبط طرق الاستدلالات الشرعية ويبيّن عدم دلالتها . والثانية : أن يبيّن انّه لو كان هذا الحكم ثابتا لدلّت عليه إحدى تلك الدلائل ، بأنّه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا طريق للمكلّف إلى العلم به وهو تكليف بما لا يطاق . ولو كان عليه دلالة غير تلك الأدلة لما كانت أدلّة الشرع منحصرة فيها ، لكن قد بيّنا انحصار الاحكام في تلك الطرق ، وعند هذا يتمّ كون ذلك دليلا على نفى الحكم وقد نبّه عليه الصادق - عليه السّلام - بقوله « كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهى » « 2 » . أصل : إذا ثبت حكم في وقت ثم جاء وقت آخر ولم يقم دليل على انتفاء ذلك الحكم ، هل يحكم ببقائه على ما كان وهو الاستصحاب أم يفتقر الحكم به في الوقت الثاني إلى دلالة كما يفتقر نفيه إلى الدلالة ؟ فأكثر أصحابنا على الاوّل والسيد المرتضى وبعض المتأخّرين - رحمهم اللّه - على الثاني ، وهو الحق . وقد مثّلوا له بالمتيمّم إذا دخل في الصلاة ثم رأى الماء في أثنائها ، فالاتفاق واقع على وجوب المضىّ فيها قبل الرؤية . فهل يستمرّ على فعلها بعده استصحابا للحال الأوّل أم يستأنفها بالوضوء ؟ احتجّ السيّد « 3 » - ره - « بأنّ في استصحاب الحال جمعا بين حالين في حكم من غير دلالة ، لأنّ الحالين مختلفان من حيث كان غير واجد للماء في إحداهما واجدا له في الأخرى ، فكيف سوى بين الحالين من غير دلالة ؟ قال : وإذا كنّا قد أثبتنا الحكم في الحال الأولى بدليل ، فالواجب أن ينظر . فإن كان الدليل يتناول الحالين سوّينا بينهما فيه وليس هاهنا استصحاب ، وإن كان تناول الدليل إنّما هو للحال الأولى فقط والثانية عارية من دليل فلا يجوز إثبات مثل الحكم بها من غير دليل . وجرى هذه الحالة مع الخلوّ عن الدليل مجرى الأولى لو خلت عن الأدلّة . فإذا لم يجز إثبات الحكم في الأولى إلّا بدليل فكذلك الثانية . ثمّ أورد سؤالا حاصله « 4 » : إنّ ثبوت الحكم في الحالة الأولى يقتضى استمراره إلّا لمانع . إذ لو لم
--> ( 1 ) - حاشية النسخة : لانّها كانت بريئة قبل التكليف كحالة الصباء . فكلّما دلّ الدليل على التكليف به بعد فذاك والا فهو باق على حاله من البراءة . وهذا دليل قوى متين . فتأمّل ولا تكن من الغافلين . ( منه ) ( 2 ) - الوسائل 9174 وأيضا 18 : 127 ( 3 ) - الذريعة 2 : 354 ( 4 ) - الذريعة 2 : ص 355 - 357