الفيض الكاشاني
47
نقد الأصول الفقهية
يجب ذلك لم يعلم استمرار الأحكام في موضع ، وحدوث الحوادث لا يمنع من ذلك كما لا يمنع حركة الفلك وما جرى مجراه من استمرار الحوادث ، فيجب استصحاب الحال ما لم يمنع مانع . وأجاب بأنّه : لا بدّ من اعتبار الدليل الدالّ على ثبوت الحكم في الحالة الأولى وكيفية إثباته . وهل يثبت ذلك في حالة واحدة أو على سبيل الاستمرار ، وهل يعلّق بشرط مراعى أو لم يتعلّق ؟ قال : وقد علمنا أنّ الحكم الثابت في الحال الأولى إنّما يثبت بشرط فقد الماء والماء في الحالة الثانية موجود « 1 » . واتّفقت الامّة على ثبوته في الأولى واختلف في الثانية ، فالحالتان مختلفتان . وقد ثبت في المعقول انّ من شاهد زيدا في الدار ثم غاب عنه ، لا يحسن أن يعتقد استمرار كونه في الدار الّا بدليل متجدّد وصار كونه في الدار في التالي ، وقد زالت الرؤية بمنزلة كون عمرو فيها مع فقد الرؤية . فأمّا القضاء بأنّ حركة الفلك وما جرى مجراها لا يمنع من استمرار الاحكام ، فذلك معلوم بالأدلّة . وعلى من ادّعى أنّ برؤية الماء لم يتغيّر الحكم ، الدلالة . ثم قال : وبمثل ذلك تجيب من قال ، فيجب أن لا يقطع بخبر من أخبارنا عن مكّة وما جرى مجراها من البلدان على استمرار وجودها . وذلك انّه لا بدّ للقطع على الاستمرار من دليل إمّا عادة أو ما يقوم مقامهما . ولو كان البلد الذي أخبرنا عنه على ساحل البحر لجوّزنا زواله بغلبة البحر إلّا أن يمنع من ذلك خبر متواتر ، فالدليل على كلّه لا بدّ منه » . هذا كلامه رحمه اللّه . وقال المحقّق « 2 » - طاب ثراه - : « والّذى نختاره نحن أن ينظر في الدليل المقتضى لذلك الحكم . فإن كان يقتضيه مطلقا وجب القضاء باستمرار الحكم ، كعقد النكاح مثلا يوجب حلّ الوطي مطلقا . فإذا وقع الخلاف في الألفاظ الّتى يقع بها الطلاق كقوله أنت خليّة وبريّة ، فانّ المستدلّ على أنّ الطلاق ولا يقع بهما لو قال حلّ الوطي ثابت قبل النطق بهذه فيجب أن يكون ثابتا بعده ، لكان استدلالا صحيحا . لأن المقتضى للتحليل وهو العقد اقتضاه مطلقا ، ولا يعلم أنّ الالفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء فيكون الحكم ثابتا عملا بالمقتضى . لا يقال : المقتضى هو العقد ولم يثبت أنّه باق ، فلم يثبت الحكم . لانّا نقول : وقوع العقد يقتضى حلّ الوطي لا مقيّدا بوقت ، فيلزم دوام الحلّ نظرا إلى وقوع المقتضى لا إلى دوامه ، فيجب أن يثبت الحلّ حتى يثبت الرافع . فإن كان الخصم يعنى بالاستصحاب ما أشرنا اليه ذلك عملا بغير دليل ، وإن كان يعنى به أمرا وراء ذلك فنحن مضربون عنه » . انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه ، وهو جيّد جدّا .
--> ( 1 ) - لا يخفى أنّ هذا الكلام لا يجرى في ساير محالّ الاستصحاب كما عرفت . ( حاشية سلطان العلماء على المعالم : ص 43 ) ( 2 ) - وهذا الكلام محكيا عنه في المعالم ( معالم الدين : 231 ) واختار المحقّق في المعتبر قول السيد المرتضى .