الفيض الكاشاني

45

نقد الأصول الفقهية

كالخبر . وجوابه : إنّ التواتر إنّما يفيد القطع إذا كان مستندا إلى محسوس ، والاجماع تطابق آراء رؤساء الدين على حكم وإذعانهم عن أمرهم به ، وهذا الإذعان غير محسوس . وإنّما المحسوس قول كلّ واحد منهم « أنا أذعن بهذا الامر » وتواتر هذا عن كلّ منهم لا يفيد القطع بأنّه يذعن به في الواقع لاحتمال التقيّة أو خوف الفتنة أو غير ذلك ، نعم يفيد الظنّ به لأصالة عدمها هذا . وما قيل : من أنّ الاجماع أصل من أصول الدين فلا يثبت بخبر الواحد . فجوابه : منع كلّية الثانية ، فانّ السنّة أصل من أصول الدين وقد قبل فيه خبر الواحد . تنبيه - قال بعض المحقّقين « 1 » : « لا بدّ لحاكى الاجماع من أن يكون علمه بإحدى الطرق المفيدة للعلم ، وأقلّها الخبر المحفوف بالقرائن . فلو انتفى ولكن كان وصوله بأخبار من يقبل أخباره ليكون حجّة وجب البيان حذرا من التدليس . لأنّ ظاهر الحكاية الاستناد إلى العلم والفرض استنادها إلى الرواية ، فترك البيان تدليس . وبالجملة فحكم الاجماع حيث يدخل في حيّز النقل حكم الخبر ، فيشترط في قبوله ما يشترط هناك . ويثبت له عند التحقيق الأحكام الثابتة له حتى حكم التعادل والترجيح » . قلت : الظاهر عدم لزوم البيان في هذه الاعصار لأنّ العلم به ممتنع إلّا فيما كان من ضروريّات الدين ، إذ لا سبيل اليه إلّا بالمخبر وهو لا يفيد العلم ، فلا تدليس حينئذ . وذلك كقولنا : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - كذا ، ولا شكّ في جوازه . وأمّا قوله : « فحكم الاجماع حينئذ حكم الخبر » فهو في غاية المتانة كما يظهر عند التأمّل . وعلى هذا يجوز ترجيح خبر الواحد الصحيح على الاجماع المنقول إذا لم يبلغ حدّ التواتر ، فتنبّه لذلك ولا تكن من الغافلين . هذا في الاجماع الّذى نقله القدماء ممّن كان قبل الشيخ الطوسي - رحمه اللّه - دون المتأخّرين ، لما عرفت أنّ لهم في الاجماع اصطلاحا آخر أشار اليه الشهيد « 2 » - رحمه اللّه - وقد نقلنا عنه وذكرنا أنّه ليس بحجّة ، على أنّا قد رأينا منهم تناقضا بيّنا في هذا النقل غير مرّة . فإنّهم ربما ينقلون في بعض كتبهم الاجماع في مسئلة ثمّ يذكرون الخلاف في تلك المسألة بعينها في موضع آخر من ذلك الكتاب أو كتاب آخر ، بل ربما ينقلون الاجماع أيضا على خلاف ذلك الحكم في تلك المسألة بعينها . وقد جمع الشهيد الثاني قريبا من أربعين مسئلة من هذا القبيل عن الشيخ الطوسي وحده ليكون أنموذجا لذلك . وعلى هذا فلا اجماع منقولا في مذهبنا لانّا ما نسمع نقل الاجماع إلّا من الشيخ أو من تأخر عنه دون القدماء - طاب ثراهم - فتنبّه ولا تكن ممّن يعرف الحق بالرجال !

--> ( 1 ) - وهو الشيخ حسن بن زين الدين الشهيد الثاني في كتاب معالم الدين : ص 182 ( 2 ) - وهو الشهرة ، ذكره في الذكرى ونقل عنه صاحب المعالم . ( معالم الدين : 176 )