الشيخ السبحاني
158
الموجز في أصول الفقه
قتادة ، فإنّهم كانوا يستبدون بنفس القرآن من دون الرجوع إلى حديث العترة الطاهرة في مجملاته ومبهماته وعموماته ومطلقاته . فالاستبداد بالقرآن شيء ، والاحتجاج بالقرآن بعد الرجوع إلى الأحاديث شيء آخر ، والأوّل هو الممنوع والثاني هو الذي جرى عليه أصحابنا - رضوان اللّه عليهم - . ثمّ إنّ الأصوليين جعلوا مطلق الظواهر من الظنون وقالوا باعتبارها وخروجها عن تحت الضابطة السالفة الذكر بدليل خاص ، وهو بناء العقلاء على حجّية ظواهر كلام كلّ متكلّم ، ولكن دقة النظر تقتضي أن تكون الظواهر من القطعيات بالنسبة إلى المراد الاستعمالي لا الظنيّات . لأنّ السير في المحاورات العرفية يرشدنا إلى أنّها من الأمارات القطعية على المراد الاستعمالي بشهادة انّ المتعلّم يستدل بظاهر كلام المعلّم على مراده . وما يدور بين البائع والمشتري من المفاهيم لا توصف بالظنية ، وما يتفوّه به الطبيب يتلقّاه المريض أمرا واضحا لا سترة فيه كما أنّ ما يتلقّاه السائل من جواب المجيب يسكن إليه دون أيّ تردد . فإذا كانت هذه حال محاوراتنا العرفية في حياتنا الدنيويّة ، فلتكن ظواهر الكتاب والسنّة كذلك فلما ذا نجعلها ظنيّة الدلالة ؟ ! نعم المطلوب من كونها قطعية الدلالة هو دلالتها بالقطع على المراد الاستعمالي لا المراد الجدي ، لأنّ الموضوع على عاتق الكلام هو كشفه عمّا يدل عليه اللفظ بالوضع وما يكشف عنه اللفظ الموضوع هو المراد الاستعمالي ، والمفروض أنّ الظواهر كفيلة لإثبات هذا المعنى فلا وجه لجعلها ظنيّة الدلالة . وأمّا المراد الجدّي فإنّما يعلم بالأصل العقلائي ، أعني : أصالة تطابق الإرادة الاستعمالية مع الجدّية . والذي صار سببا لعدّ الظواهر ظنّية هو تطرّق احتمالات عديدة إلى كلام المتكلّم ، أعني :