السيد البجنوردي

44

منتهى الأصول ( طبع جديد )

ذلك الحكم - فجعل مماثله لغو ؛ لوصول الجعل الأولى إليه حسب الفرض . فلو كان المكلّف أهلا لأن ينبعث من أمر المولى فقد وصل إليه فلينبعث ، وإذا ليس أهلا للانبعاث فالجعل الثاني والثالث أيضا هكذا ولا ثمرة فيه . إن قلت : أيّ مانع في أن يكون الجعل الثاني تأكيدا للأوّل ، كما أنّه لو نذر واجبا بعد انعقاد النذر يتأكّد ذلك الواجب . قلنا : إنّ الجعل الثاني يكون تأكيدا إذا كان موضوعه عين الموضوع الأوّل ، فيتأكّد الحكم . وبعبارة أخرى : إذا كانت مرتبة من عرض قابلة للتأكّد والاشتداد في موضوع ، ثمّ جاءت مرتبة أخرى من ذلك العرض ، وتعلّقت بعين ما تعلّق به الأولى ، فقهرا يشتدّ ذلك العرض ويتأكّد ، وذلك كالكيفيات المحسوسة التي تحصل في موضوعاتها تدريجا مرتبة بعد مرتبة وتسمّى بالحركة في الكيف ، كالحلاوة التي توجد في التمر والعنب وتشتدّ تدريجا . وأمّا لو لم يكن موضوع المرتبتين واحدا - كما في ما نحن فيه - فلا وجه للتأكّد والاشتداد ، مضافا إلى أنّ الأحكام الشرعية ليست من سنخ الكيفيات والأعراض الخارجية القابلة للاشتداد ، بل إن هي إلّا اعتباريات وتشريعيات شرعت لأجل تحريك العبد نحو الفعل أو الترك ، فلا معنى للتأكّد والاشتداد فيها . وأمّا القول بأنّ الاشتداد والتأكّد في منشأ اعتبار هذه الأمور - أي الإرادات والكراهات - فخروج عن البحث ومحلّ الكلام . وممّا ذكرنا ظهر : أنّ في الأربعة أقسام الآخر أيضا لا يلزم اجتماع المثلين ولا تأكّد في البين ، ولا يلزم محذور اللغوية أيضا ؛ لأنّ المفروض : أنّ الظنّ المأخوذ في الموضوع هو الظنّ غير المعتبر ، سواء كان تمام الموضوع أو بعضه ، على وجه الصفتية أو الطريقية ، والظنّ غير المعتبر لا محرزية ولا طريقية فيه ؛