السيد البجنوردي

56

منتهى الأصول ( طبع جديد )

وأمّا حديث الوضع النوعي : فالمعنى المعقول منه هو أن يقال بأنّ الواضع كما أنّه وضع اللفظ لمعنى ، كذلك وضعه لكلّ معنى يكون بينه وبين ذلك المعنى الموضوع له أوّلا أحد أنواع العلاقات ، حتّى تكون نوعية الوضع باعتبار عدم تعيّن معنى خاصّ . بل يشمل أيّ معنى وجد بينه وبين الموضوع له إحدى هذه العلاقات ، كما أنّ الوضع النوعي في الهيئات باعتبار عدم تعيّن مادّة من الموادّ ، فيشمل جميع الموادّ المتهيّئة بتلك الهيئة . فالوضع النوعي هاهنا باعتبار عدم تعيّن المعنى ، وفي الهيئات باعتبار عدم تعيّن موادّ الألفاظ . إذا عرفت هذا فنقول : بناء على هذا يخرج المجاز عن كونه مجازا ؛ لأنّ اللفظ وضع أيضا له ، غاية الأمر بالوضع النوعي لا الشخصي . والالتزام بهذا بعيد عن الذوق السليم ومخالف لما ذكره علماء العربية في تعريف المجاز ب « أنّه الكلمة المستعملة في غير ما وضع له » ، ففي الحقيقة هذا القول يرجع إلى إنكار المجاز . مضافا إلى أنّا نرى بالوجدان والعيان عدم اختصاص استعمال اللفظ فيما يناسبه بلغة دون لغة ، فنرى كلّ أمّة تستعمل اللفظ الموضوع في لغتهم للحيوان المفترس في الرجل الشجاع ، ومن المستبعد جدّا اتفاق الواضعين من أيّ أمّة في هذا الوضع النوعي . والتحقيق في هذا المقام - بناء على ما اخترناه في حقيقة الوضع من أنّه عبارة عن الهوهوية والاتحاد الاعتباري بين اللفظ والمعنى ، وإلّا لم يكن إلقاؤه إلقاء المعنى ولا وجوده وجودا لفظيا للمعنى ، ولم يكن حمله على المعنى بدون عناية وتقدير ممكنا ، مع أنّه بمكان من الإمكان كما في قولك مشيرا إلى الجسم