السيد البجنوردي

302

منتهى الأصول ( طبع جديد )

فالغرض والمقصود الحقيقي هو الواجب النفسي وهو المقرّب ، وأمّا بإتيان الواجب الغيري فلا يحصل له قرب إلّا بالشكل الذي ذكرنا . وقابليته وأهليته للفيوضات من لوازم قربه منه تعالى ، حتّى أنّه لو أتى به بقصد أمره الغيري الأصلي لا التبعي يمكن أن يقال : إنّه إن لم يرجع إلى قصد التوصّل به إلى إتيان ما هو ذو المقدّمة وما هو المطلوب بالذات - أعني الواجب النفسي - لا يكفي في كونه مقرّبا . فلو قال : « ادخل السوق واشتر اللحم » بحيث ندري بأنّه لا غرض له في دخول السوق أصلا ، بل هو مطلوب لأجل اشتراء اللحم ، فلو دخل السوق في الفرض بقصد أمر المولى له بالدخول ولكن ليس بناؤه على شراء اللحم مع علمه بأنّ الدخول ليس مطلوبا ذاتيا نفسيا وإنّما المطلوب الذاتي هو شراء اللحم ، فمثل هذا الشخص لا يعدّ مطيعا ومنقادا ، مع أنّه أتى بالمأمور به بالأمر الغيري بقصد أمره الغيري . والسرّ في ذلك : ما ذكرنا من أنّ المطلوب الغيري ليس مطلوبا ذاتيا ، بل إنّما هو مطلوب بالعرض ، فإذا لم يكن إتيانه بقصد التوصّل إلى المطلوب الذاتي لا يعدّ مطيعا ومنقادا لأمر مولاه ، ولا يحصل له قرب بإتيان الواجب الغيري ، ولو كان بقصد أمره الغيري . ولا فرق في ذلك بين أن يكون الواجب الغيري من قبيل المقدّمات العقلية أو يكون من قبيل الشروط الشرعية كالاستقبال وطهارة البدن مثلا . نعم ، لو كان قصده من إتيان الشروط الشرعية التوصّل بها إلى وجود تلك الخصوصية التي توجد في الواجب النفسي بواسطتها فهذا يرجع إلى ما ذكرنا من التوصّل به إلى إيجاد الواجب النفسي ، فيصير أهلا لأن يثاب ويؤجر بذلك . هذا كلّه بناء على أن يكون الاستحقاق بمعنى القابلية والأهلية .