السيد البجنوردي
277
منتهى الأصول ( طبع جديد )
لانتقاض الحالة السابقة في بعض الأحيان جزما ؛ لأنّ الأمور التي يكثر الابتلاء بها يطمئنّ الإنسان بابتلائه بها في بعض الأوقات ، فأيّ إنسان لا يطمئنّ بابتلائه مدّة عمره بمسائل السهو أو الشكّ في صلاته ؟ نعم بناء على هذا يخرج عن الفرض ، ويدخل في الفرض الأوّل ؛ أي العلم أو الاطمئنان بالابتلاء . فالجواب الصحيح بناء على عدم حصول العلم والاطمئنان في هذه الأمور ، التي يكثر الابتلاء بها في أغلب الأوقات ، هو ما بيّنا من أنّ موضوع حكم العقل هو كونه معرضا للابتلاء كثيرا ، وهذا المعنى لا يرتفع باستصحاب عدم الابتلاء ، وإن قلنا بجريان استصحاب العدم بالنسبة إلى الأمور المستقبلة إن كان لعدمها في المستقبل أثر في الحال أو هو بنفسه كان أثرا شرعيا . نعم ، لا بأس بجريان هذا الاستصحاب في مورد احتمال الابتلاء إذا لم يكن المحتمل من الأمور التي يكثر الابتلاء بها . وبعبارة أخرى : ليس المكلّف في معرض الابتلاء بها - وإن كان يحتمل أن يبتلي بها - فإنّ موضوع حكم العقل هو احتمال الابتلاء . وحكمه حينئذ يكون حكما إرشاديا إلى عدم الوقوع في مخالفة الواقع عند الابتلاء ، فإذا حكم الشارع بعدم الابتلاء بواسطة الاستصحاب لا يبقى مجال لذلك الحكم الإرشادي أو الشرعي الطريقي . فعلى كلا المسلكين - أي سواء قلنا بأنّ وجوب التعلّم شرعي طريقي ، أو قلنا بأنّه إرشادي عقلي - حيث إنّه في الفرض موضوعه احتمال الابتلاء فإذا جرى استصحاب العدم يرتفع موضوعه . ولا يقاس المقام بباب التشريع ؛ لأنّ موضوع حكم العقل هناك بالقبح هو الافتراء والقول بغير علم ، ولا فرق في صدق ذلك بين العلم بالعدم أو الشكّ فيه أو قيام الظنّ غير المعتبر عليه . ويصدق التشريع بمناط واحد على الاستناد بغير علم ، سواء لم يكن واقعا من الدين أو كان وهو لا يعلم ، وسواء كان عالما بالعدم