المحقق النراقي
59
مفتاح الأحكام
ممّا لا شكّ فيه أنّه إذا كان فقيه في بلد وعلمنا أنّ أهل البلد مقلّدون له لا يعتمدون على غيره ، فرأيناهم بأجمعهم أو بجمع منه - سيّما إذا كانوا من الخواصّ العدول - متوافقين في حكم وعلى العمل عليه ، نعلم قطعا أنّهم أخذوه من مجتهدهم ، وأنّه رأيه وإن لم يصل إلينا قوله بخصوصه ، بل كثيرا ما يحصل العلم بتوافق خمسة أو ستّة من ثقاته بقوله . فكذا إذا علمنا أنّ جمعا من معتمدي أصحاب المعصوم عليه السّلام المختلفين إلى مجالسه الشريفة حكموا في مسألة بحكم وتوافقوا فيه ، يحصل القطع بأنّهم أخذوه عن إمامهم . ثمّ إنّا لو كنّا مدركين لهؤلاء الأصحاب ، سامعين منهم الحكم ، لكفى ما ذكر في المطلوب ، ولكن لبعد عهدنا عنهم نحتاج إلى تتمّة . فنقول : إنّا لو فرضنا كوننا مشافهين لطبقة أخرى ، وعلمنا أنّهم سمعوا الحكم من الأولى واطّلعوا على آرائهم ورأيناهم يذكرون أقوالهم وخلافهم ، وشاهدناهم متطابقين على حكم من غير ذكر خلاف فيه أو خلاف شاذّ ، وانضمّت أمور أخر ، مثل قولهم : « إجماعيّ » أو « لا خلاف فيه » أو نحوه ، نعلم قطعا أنّه لم يكن في المسألة خلاف بين الطبقة الأولى ، ولو كان كان نادرا ، بحيث لا يقدح في العلم بكون قولهم قول الإمام . ثمّ ينقل الكلام إلى الثالثة والرابعة إلى أن ينتهي إلينا . وهنا وجه آخر لتحصيل العلم ، فإنّ من تتبّع أبواب الفقه وتفحّص كتب العلماء ونظر في أقوالهم وشاهد أساسهم وقوانينهم وطرق استدلالاتهم ، يراهم مختلفة المشارب متباينة المسالك ، لا يكاد يتّفق جمع منهم على طريق ، ويراهم مختلفين في أكثر المسائل . وقلّ ما يوجد خبر ضعيف إلّا وبه قائل ، ومع ذلك فإذا وجدهم بعد الفحص متطابقين على حكم ، يعلم بحكم العادة أنّ هناك أمرا علميّا يوجب حصول العلم بقول سيّدهم . ثمّ إذا ضمّ معه عدم