المحقق النراقي
40
مفتاح الأحكام
وطريق علمنا بذلك طريق علمنا ببقاء التكاليف الغير المعلومة لنا ، من الخروج عن الدين وسيرة العلماء الراسخين برفع اليد عنها . ويثبته أنّا نرى أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة عليهم السّلام ومن يليهم من العلماء والفقهاء إلى زماننا هذا يعملون بتلك الأخبار ويجعلونها أدلّة للأحكام . ونرى أنّه وقع الاختلاف بينهم بحسب اختلاف الأحاديث . ونراهم شديد [ و ] الاهتمام بضبطها وتدوينها ، حتّى أنّهم سطّروا الأساطير وملئوا الطوامير ودوّنوا فيها كتبا وأصولا واستعملوا في تمييزها أبوابا وفصولا . وقلّ من مشاهير أصحاب الأئمّة عليهم السّلام من لم يكن له أصل وكتاب ، حتّى أنّ أربعمائة من أصحاب الصادقين عليهما السّلام جمعوا أربعمائة أصل يشتهر ذكرها في الأقطار . ولم يوجد من علماء الأمّة من لم يصرف برهة من عمره في فهم تلك الأخبار . وقد بذلوا سعيهم في نشرها وترويجها حتّى أنّ أكثرها وصلت إلينا ، مع بعد العهد وطول الزمان وتوفّر الدواعي على الكتمان ، وصرفوا عمرهم في تصحيحها من حيث اللفظ تارة ، ومن حيث المعنى أخرى ، حتّى وضعوا كتبا في بيان معانيها ووضعوا علما لبيان أحوال رجالها . وما وجدنا كتاب فقيه أو رسالة منه يشتمل على مسألة إلّا وقد استدلّ بخبر أو أخبار ، وما رأينا مصنّفا إلّا تمسّك فيه ببعض هذه الروايات ، ولم يختصّ ذلك بوقت دون وقت ، ولا زمان دون زمان . ولا يتوهّم أنّ المانعين من العمل بالآحاد ، كالسيّد رحمه اللّه ومن اقتفى أثره ، لا يعملون بها ، فإنّهم يعملون بها وإن ادّعوا أنّ أكثرها مضمومة مع قرائن مفيدة للعلم . ألا ترى كتبهم مشحونة بالاستدلال بها ، حتّى أنّ ابن إدريس الذي هو منهم ، جمع في آخر سرائره طائفة جمّة منها « 1 » . فهم لا يمنعون من العمل بتلك الأحاديث
--> ( 1 ) . راجع السرائر - المستطرفات - 3 : 547 وما بعدها .