هيثم هلال
69
معجم مصطلح الأصول
محدث أو لا ؟ والنظر في الجهة هل هي القبلة أو لا ؟ والمناط هو الشراب والماء والشخص وجهة القبلة . فتحقيق كون الشراب المعيّن خمرا أوليس بخمر ، وكذلك الماء هو كونه مطلقا أو غير مطلق ليتأتى الحكم عليه بأنه يجوز الوضوء منه أو لا هو تحقيق المناط . ويرجع تحقيق المناط إلى العلوم والفنون والمعارف التي تعرّف هذا الشيء ، ولذلك لا يشترط فيمن يحقّقه أن يكون مجتهدا بل يكفي أن يكون عالما بالشيء من خلال علمه بالمعارف التي تتعلق بذلك الشيء ، ليتنزّل الحكم الشرعيّ على وفق ذلك المقتضى . وسواء كان الشخص العالم بهذه الأمور مجتهدا ، أم كان شخصا آخر غيره يرجع إليه المجتهد لمعرفة الشيء ، أم كان الذي يشرح كتابا . فلا يشترط في تحقيق المناط ما يشترط في الاجتهاد من علم بالأمور الشرعية ، وعلم بالعربية ، بل يكفي فيه أن يعرف الموضوع المراد تطبيق الحكم عليه ، ولو كان جاهلا كلّ الجهل في سواه ، كالمحدّث العارف بأحوال الأسانيد وطرقها وصحيحها من سقيمها ، وما يحتجّ به من متونها مما لا يحتج به ، فهذا يعتبر علمه فيما هو متعلّق بالحديث سواء كان عالما بأمور الشريعة أم ليس كذلك ، وعارفا بالعربية أم ليس كذلك ؛ وكالطبيب في العلم بالأدواء والعاهات وكالصانع في علمه بعيوب الصناعات ، وكعرفاء الأسواق في معرفة قيم السّلع ومداخل العيوب فيها ، وكالماسح في تقدير الأرضين ونحوها ، وكعالم اللغة في معرفة اللفظة ومعناها ، وكالمخترع للآلات ، وكالعالم في الذّرّة ، وكالخبير في علوم الفضاء ، ونحو كل هذا وما أشبهه مما يعرف بواسطته مناط الحكم الشرعي ، لا يشترط فيه أن يكون مجتهدا ، حتى ولا أن يكون مسلما ، لأن المقصود من تحقيق المناط هو الوقوف على حقيقة الشيء ، وهذا لا دخل له في الاجتهاد ولا بالمعارف الشرعيّة ولا باللغة العربية ، بل القصد منه محصور بأمر معين ، وهو معرفة الشيء . وتحقيق مناط الحكم ، أي : الشيء المراد تطبيق الحكم عليه ، أمر لا بدّ منه قبل معرفة الحكم ، ولا يمكن معرفة الحكم إلا بعد تحقيق المناط . فإن كل دليل شرعي مبنيّ على مقدمتين لا بد منهما : إحداهما راجعة إلى تحقيق المناط ، والأخرى ترجع إلى الحكم الشرعي . فالأولى عقليّة محضة ، أي : تثبت بالفكر والتدبر . وهي ما سوى النّقليّة ، والثانية نقليّة ، أي : تثبت بفهم النص الشرعي الذي صحّ نقله وهو الكتاب والسّنّة والإجماع . فعلى المجتهد أن يتفهّم الحقيقة من الحادثة أو الواقعة أو الشيء الذي يريد بيان الحكم الشرعي بشأنه ، وبعد أن يقف عليه ينتقل لفهم النقليات ، أي : لفهم النّصّ الشرعيّ المراد استنباط الحكم منه ، لتلك الحادثة أو الواقعة أو الشيء ، أو لفهم الحكم