هيثم هلال
240
معجم مصطلح الأصول
يؤول إليه لا الحكم الذي أنزله اللّه له . وللحق فهذه القاعدة وهذا الفهم فيهما أشدّ المناقضة للشرع . فالآية الأولى نزلت ومجيئها بعد قوله تعالى : وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ البقرة : الآية 185 ] فهو دليل على الرّخص التي رخص فيها الشارع للمسلمين من إباحة الفطر في السفر والمرض ، وهكذا جميع الرخص الشرعية . فهو خاص في موضوع الرخص وهو الموضوع الذي جاء دليلا عليه . وأما قوله عزّ وجل : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحجّ : الآية 78 ] فقد جاءت بعد قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ الحجّ : الآية 77 ] وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحجّ : الآية 78 ] فيكون الحرج - وهو الضّيق - قد رفع عنهم فيما أمرهم به من العبادة وفعل الخير ، والغزو من أجل رضا اللّه ، فإنه هو الذي اختاركم أيها المؤمنون لدينه ولنصرته ، وما جعل عليكم من ضيق ، بل بقدر ما تحملون . فهو كقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : الآية 286 ] فجعل الدين ليس شاقّا بحيث لا يتحملونه . وفوق ذلك فقد فتح باب التوبة للمجرمين ، وجعل في الدين من الرخص والكفارات ما يسهّل أمر الدين . وأما قول الرسول عليه السلام : « بعثت بالحنيفية السمحة » فالمراد به أنه جاء بالشريعة القويمة التي هي لمصالح العباد ، وليست لقصد مشاقّ العباد . فهي « سمحة » أي : كريمة . وأتى السماح مقيدا بما هو جار على أصول هذه الشريعة ، وبحسب أدلتها ، لا على ما يشتهيه الهوى ، ويمليه العقل . وهذا الفهم الذي جاء به القائلون بهذه القاعدة مؤدّ إلى إيجاب إسقاط التكاليف جملة ، فإن التكاليف كلها شاقة ثقيلة ومن ثمّ سمّيت كذلك من « الكلفة » أي : المشقة . فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي الرفع بهذه الدلائل ، لزم ذلك إسقاط التكاليف . قاعدة سدّ الذّرائع وحقيقتها عند القائلين بها التوسّل إلى ما هو مصلحة في نظرهم . فكل مصلحة تؤدي إلى مفسدة تحرم تلك المصلحة ولو جاء النص بكونها حلالا ، وكل مفسدة تؤدي إلى مفسدة أشد حلت تلك المفسدة ولو جاء النص بتحريمها . ويرى هؤلاء القائلون أن البيع أوّلا على سلعة بعشرة إلى أجل ظاهر الجواز من جهة ما يتسبّب على البيع من المصالح على الجملة . فإذا جعل مآل ذلك البيع مؤديا إلى بيع خمسة نقدا ، بعشرة إلى أجل بأن يشتري البائع سلعته من مشتريها منه بخمسة نقدا ، بعشرة إلى أجل . والسلعة لغو لا معنى لها في هذا العمل ، لأن المصالح