الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
8
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
من الأدلة فذاك وإلا فإما أن يبنى على العمل بالاحتياط أو أصالة البراءة أو على التخيير في العمل وكل منها من الأحكام الشرعية الظاهرية والتوقف الواقع من العلماء إنما يكون في مقام الاجتهاد أعني المقام الأول وأما المقام الثاني أعني مقام الفقاهة فلا مجال للتوقف فيه وكان هذا هو مقصود المجيب فالإيراد المذكور بين الاندفاع وسيجيئك ما يؤيد إرادة المعنى المذكور نعم يرد هناك شيء آخر وهو إن حمل العلم على الملكة والقوة القريبة وإن صح تعلقه بجميع الأحكام إلا أنه لا يصح تفسيرا للفقه إذ ليس الفقه ولا غيره من أسماء العلوم المدونة أسماء لنفس الملكات الحاصلة والحالات الراسخة بل لا يتبادر منها في الاستعمالات الأنفس المسائل أو العلم بها على اختلاف الوجهين ألا ترى أنه يصدق على كل مسألة مسألة من مسائل العلوم أنه من ذلك العلم وبعض منه ولا يمكن أن يجعل ذلك من الملكة ولا بعضا منها بالضرورة وكذا يتصف الملكة بالضعف والشدة والوهن والقوة ولا يتصف بها شيء من أسماء العلوم وأيضا الملكة حالة بسيطة راسخة في النفس ولا يصدق ذلك على شيء من العلوم فالظاهر أن إطلاقها على الملكات من جهة تنزيل القوة القريبة منزلة الفعل فيطلق عليها لفظ العلم وليس شيء من أسماء العلوم موضوعا بإزاء تلك الملكة كما عرفت سواء قلنا بكون إطلاق لفظ العلم على الملكة حقيقة أو مجازا ويدل أيضا على فساد حمل العلم هاهنا على الملكة لو أريد به ما ذكر لزم صحة إطلاق الفقيه على صاحب الملكة المفروضة وإن لم يعلم شيئا من الأحكام الشرعية فعلا وهو فاسد قطعا وحصول الملكة المفروضة من دون الملكة تحصيل شيء أو قدر يعد معه فقيها عرفا لا مانع منه أصلا بل الظاهر حصولها في العادات كثيرا فالأظهر في الجواب أن يقال إن المراد بالأحكام هنا وبالمسائل أو القواعد ونحوها المذكورة في حدود سائر الفنون هي جملة معتدة بها من الأحكام والمسائل والقواعد كافية في ترتب الثمرة المطلوبة من وضع الفن المفروض بحسب العرف بحيث يصدق على العالم بها أنه عالم بمسائل ذلك الفن وهذا المعنى قدر جامع بين العلم بجميع المسائل على فرض إمكانه فما دونه إلى أقل ما يصدق معه اسم كونه عارفا بالمسائل والظاهر أن العلم بالأحكام والمسائل والقواعد المفروضة لا ينفك عن الملكة المذكورة إلا أن الفقه وغيره من أسامي العلوم اسم لتلك المسائل أو العلم بها على اختلاف الوجهين دون الملكة المذكورة فعدم إطلاق الفقيه والنحوي والصرفي ونحوهما على غير أرباب الملكات في تلك العلوم لا يدل على أن تلك العلوم موضوعة بإزاء الملكات جسما وكان المرجع فيما ذكر إلى حمل الأحكام على الاستغراق العرفي فليس فيه مخالفة لظاهر العبارة سيما بملاحظة ما هو معلوم من عدم إمكان الإحاطة التامة بجميع مسائل شيء من الفنون بحيث لا يشذ عنها شاذ إذ فيه دلالة ظاهرة على عدم إرادة الاستغراق الحقيقي لو سلمنا كون الاستغراق أظهر فيه فتأمل وقد يقال بحمل الأحكام على الاستغراق الحقيقي ويجعل الفقه اسما لمجموع المسائل أو العلم بها لكن يراد بذلك نفس المسائل المعروفة دون الفروع المتجددة المتفرعة على تلك المسائل مما لا يقف على حد وإن اندرجت تلك أيضا في الفقه لكونها في الحقيقة تفصيلا لذلك الإجمال المعلوم ويجري ذلك في أسماء سائر العلوم وكان هذا هو المراد مما احتملوه من كون أسامي العلوم موضوعة لمجموع المسائل أو العلم بها في مقابلة احتمال وضعها للقدر المعتد به أو العلم به وربما يقال بكون تلك الأسامي موضوعة لمجموع المسائل المعروفة والمتجددة فلا يكون مسمى تلك الألفاظ متحصّلا لأحد من أرباب تلك العلوم ولا مددنا في شيء من الكتب وإنما المعلوم والمدون بعض منها ويصح انتساب أربابها إليها بناء على تنزيل ملكة العلم بها منزلة الفعلية لشيوع إرادة تلك الملكة لفظ الفقيه والنحوي والصرفي ونحوها كما يراد ذلك من سائر الألفاظ الموضوعة لأرباب الحرف والصنائع المعروفة كالنجار والصابغ والقاري فإن الظاهر الملكة في أوضاع تلك الألفاظ وأنت خبير ببعد ذلك عن إطلاق تلك الأسامي ولذا يصح أن يقال فلان عالم بالفقه والنحو والصرف على سبيل الحقيقة إذا كان عارفا بمسائله المعروفة نعم اعتبار الملكة في وضع لفظ الفقيه والنحوي والصرفي ونحوها لا يخلو عن وجه تأمل قوله وهو أن يكون عنده ما يكفيه في استعلامه من المأخذ لا يخفى أن وجود المأخذ عنده وتمكنه من الرجوع إليه مما لا ربط له بالملكة والتهيؤ المفروض لظهور صدق كونه عالما بذلك الفن ولو فرض منعه من مراجعة الأدلة أو عدم وجود المأخذ عنده فالظاهر أن المراد بالتهيؤ القريب هو الملكة والقوة القريبة الباعثة على سهولة إدراك المسألة واستنباط حكمها من الأدلة وإن فرض عدم حضور المأخذ عنده والظاهر أن ذلك هو مقصود المصنف وإن كان هناك اختلال في تعبيره وقد يجعل قوله من المأخذ متعلقا باستعلامه فيوافق ما ذكرنا ولا يساعده عطف الشرائط عليه ولا قوله بأن يرجع إليه فتأمل قوله وإطلاق العلم على مثل هذا التهيؤ شائع أراد بذلك دفع ما لعله يورد في المقام من أن إطلاق العلم على التهيؤ المذكور مجاز تنزيلا للقوة القريبة منزلة الفعلية كما مر فكيف يجوز استعماله في الحد مع ما اشتهر بينهم من عدم جواز استعمال الألفاظ المشتركة والمجازات في الحدود والتعريفات فأجاب بأن إطلاق العلم على المعنى المذكور شائع في الاستعمالات متداول في الإطلاقات ويكون إما حقيقة عرفية أو مجازا شائعا وعلى الأول لا إشكال وكذا على الثاني إذ المقصود مما ذكروه المنع من استعمال ما قد يخفى دلالته على المقصود إذ المقصود من الحدود الإيضاح وتفهيم المخاطبين حين التعريف وهو قد لا يحصل بذلك ومن البين أن اللفظ المذكور بعد انضمام القرينة إليه ليس من هذا القبيل فتأمل ثم لا يذهب عليك أن إطلاق العلم على مجرد الملكة كما هو ظاهر العبارة غير ظاهر في الإطلاقات الشائعة وإنما يطلق غالبا على الملكة مع حصول فعلية معتد به حسبما أشرنا إليه فلا تغفل قوله فيحمل العلم على معناه الأعم يرد عليه أنه لا ظن في الأحكام الواقعية في معظم المسائل الفرعية فكما أن طريق العلم بالأحكام الواقعية مسدود في الأغلب كذا لا طريق إلى الظن بها في كثير من المسائل وإنما المرجع في معرفة الأحكام إلى الأدلة الشرعية والأخذ بمقتضاها أفادت الظن بالواقع أولا ألا ترى أن أصالة البراءة والاستصحاب إنما يفيدان ثبوت الحكم في الظاهر واللازم البناء عليهما حتى يثبت الخلاف ولا دلالة فيهما على الواقع في الغالب ولو على سبيل الظن وعلى فرض حصول الظن هناك فهو من الأمور الاتفاقية وليست حجيتهما مبنية عليه كما سيجيء تفصيل الكلام فيهما إن شاء الله وكذا الكلام في كثير من الآيات والأخبار ألا ترى أنه يحكم بمقتضى العمومات والإطلاقات والقواعد المقررة مع الشك فيما يوجب الخروج عنها إما لورود بعض الأخبار الضعيفة أو غيرها مما لا يثبت به خلافها ومن البين أنه مع الشك فيه لا يبقى ظن بذلك الظاهر في المقامات المذكورة مع أنها حجة شرعية لحجية استصحاب البناء على الظاهر المفروض حتى يتبين خلافه من غير خلاف فيه بين الأصولية والأخبارية كما سيقرر في محله إن شاء الله إلى غير ذلك مما سيجيء بيانه في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى فيلزم خروج الأحكام المذكورة من الفقه مع أن كثيرا من مسائله من هذا القبيل وقد يورد عليه أيضا بأنه ينافي فيما مر من حمل العلم على الملكة نظرا إلى ابتناء ما ذكر على كون العلم بمعنى الإدراك فيحمل على ما يعم الإدراك العلمي والظني والملكة لا تكون علمية ولا ظنية ويدفعه