الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

9

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

أنه ليس المراد من العلم مجرد الملكة كما مرت الإشارة إليه بل إنما يراد بها ملكة الإدراك أو التصديق فيحمل ذلك الإدراك أو التصديق على ما يعم العلم أو الظن نعم إن حمل على الملكة بمجرده كما قررناه على فرض حمل الأحكام على التصديقات لم يتجه ذلك وحينئذ يجري الإيراد والتوجيه المذكورين في الأحكام فتحمل على ما يعم التصديقات العلمية والظنية وقد يورد أيضا بلزوم سبك المجاز من المجاز إذ يراد أولا من العلم مطلق الرجحان الشامل له وللظن إطلاقا للأخص على الأعم ثم ينتقل من ذلك إلى إرادة ملكة تنزيلا للقوة القريبة منزلة الفعلية ويدفعه أنه يمكن الانتقال من معناه الحقيقي أعني الإدراك اليقيني إلى ملكة الإدراك الأعم من غير حاجة إلى توسط مجاز آخر في الانتقال إليه لمشاركته للعلم في ظهور المدرك من جهة أن وضوحه من جهة العلم إنما يكون به وفي الملكة المذكورة من جهة كونها باعثة على حصول العلم أو الظن الباعث على الانكشاف في الجملة وما قد يقال من أن حمل العلم على المعنى الأعم يوجب إدراج القطعيات في الفقه مع أنها خارجة عنه فلذا لا يتعلق بها الاجتهاد كما ينطبق به حده حيث أخذوا فيه الظن فلا يطرد الحدّ ولذا اختار شيخنا البهائي رحمه الله في الزبدة في الجواب عن الإيراد المذكور وحمل العلم على خصوص الظن مدفوع بأن إخراج القطعيات مطلقا عن الفقه مما لا وجه له أصلا كيف والاجتهاد قد ينتهي إلى اليقين وأيضا صدق الفقيه على أصحاب النبي والأئمة عليهم السلام مما لا كلام فيه مع أنهم كانوا يأخذون الأحكام عن النبي صلى اللَّه عليه وآله والأئمة بالمشافهة ولا يتصور ظن في شأنهم في كثير من المسائل وعلومهم اليقينية الثابتة بنص المعصوم عليه السلام عن الفقه قطعا فكيف يعقل إخراج القطعيات عنه مطلقا نعم القطعيات التي هي من ضروريات الدين خارجة عنه حسبما مر وأما غيرها فهي مندرجة فيه إلا أنها مما لا يتعلق بها الاجتهاد وتوضيح المقام أن القطعيات إما أن تكون من ضروريات الدين أو من ضروريات المذهب أو القطعيات غير الواصلة إلى حد الضرورة إلا أنها ثابتة في الدين أو المذهب على سبيل اليقين بالنظر أو غيره بحيث لا مجال فيها للاجتهاد وإما أن تكون من المسائل الظنية إلا أنه اتفق انتهاء الأمر فيها إلى القطع للبعض فالأولى خارجة عن الفقه وليست من متعلقات الاجتهاد قطعا والأخيرة مندرجة في الفقه قطعا والظاهر كونها من متعلقات الاجتهاد أيضا إذ انتهاء الأمر في المسائل الاجتهادية إلى القطع أحيانا لا يخرجها عن كونها اجتهادية ولا كون بذل الوسع فيها اجتهاد أو أخذ الظن في حده لا ينافيه إذ المعول عليه في المسائل الظنية هو الظن إذ هو المتوقع حصوله بعد الاجتهاد في الأدلة وحصول اليقين على سبيل الاتفاق لا ينافي كون بذل الوسع فيه لتحصيل الظن كما سيجيء الكلام فيه في محله إن شاء الله وأما المراتب المتوسطة فالظاهر إدراج الجميع في الفقه كما مر والأظهر عدم تعلق الاجتهاد بشيء منها كما هو ظاهر من حده وسيجيء الإشارة إليه في محله إن شاء الله وبالجملة المسائل الفقهية عندنا قسمان أحدهما المسائل القطعية التي لا مجال للتأمل فيها من العارف الناظر في أدلتها وثانيهما المسائل الظنية التي لا يتوقع فيها زيادة على الظن وإن اتفق فيها تحصيل العلم أحيانا ومتعلق الاجتهاد إنما هو القسم الثاني ولذا أخذ الظن في حده حيث إنه المتوقع فيه أو للاكتفاء فيه بذلك دون الأول ولذا يمضي قضاياه وأحكامه هنا وإن أخطأ فيها بخلاف تلك الصورة حيث ينقض حكمه مع خطائه فيها حسبما قررناه في محله وما ذكروه من جواز التجزي في الاجتهاد وعدمه إنما هو في الثاني وأما القطعيات فلا مجال للتأمل في إمكان حصول العلم بها لغير المجتهد أيضا فدعوى الملازمة بين العلم ببعض الفقه والاجتهاد ممنوعة لا شاهد عليها بل فاسدة حسبما قررناه فالاستناد في عدم كون القطعيات من الفقه إلى انتفاء الاجتهاد فيها كما صدر من بعض الأعلام كما ترى قوله وما يقال من أن الظن في طريق الحكم إلى آخره قد ترى تدافع بين الكلامين إذ بعد كون فرض الطريق ظنيا لا يعقل كون الحكم قطعيا ضرورة تبعية المدلول في ذلك للدليل ويدفعه أنه أراد بذلك ظنيته في نفسه لا مطلقا ويلخص تقرير الجواب أنا نختار حمل العلم على معناه الظاهر وما ذكر من أدلة الفقه ظنية غالبا فيتبعها الأحكام المدلول عليها غالبا فيتبعها الأحكام المدلول عليها بتلك الأدلة ممنوع إذ أدلة الفقه ظنية بملاحظة نفسها وأما بملاحظة ما دل على حجيّة تلك الظنون ووجوب العمل بها قطعية فظنية الطريق في نفسه لا ينافي قطعية الحكم من جهة قيام الدليل القاطع على ثبوت الحكم على المكلف بمقتضى ما دل عليه ذلك الطريق فالدليل القاطع على ذلك الحكم هو الدليل المذكور بعد الملاحظة المذكورة فتلك الأدلة ظنية من جهة وقطعية من جهة أخرى ولا منافاة بين الوجهين فظنيتها في نفسها لا ينافي قطعية الحكم من جهتها نظرا إلى ما ذكرنا قوله فضعفه ظاهر عندنا إلى آخره يريد بذلك أن الجواب المذكور إنما يتم على أصول الأشاعرة القائلين بالتصويب وتعدد أحكامه تعالى في الواقع على حسب تعدد آراء المجتهدين فيكون ظن كل مجتهد بالحكم كاشفا عن كون ذلك هو حكمه بحسب الواقع إذ حينئذ يتم التقرير المذكور ويكون كل مجتهد عالما بما هو حكم اللّه تعالى في حقه بحسب الواقع وأما على أصول الإمامية على ما دلت عليه نصوصهم المتواترة من أئمتهم من كون حكم اللّه تعالى في الواقع واحدا بحسب الواقع وإن له تعالى في كل واقعة حكما مخزونا عند أهله أصابه من أصابه وأخطأه من أخطأه فلا وجه للكلام المذكور أصلا إذ لا يفيد الأدلة المفروضة القطع بكون ذلك هو حكم اللّه تعالى في الواقع إذ المفروض احتمال الخطاء في الاستدلال بل وقوعه قطعا بالنسبة إلى الآراء المختلفة فلا يعقل علمهم بحكمه تعالى مع فرض كون الطريق ظنيا غاية الأمر أن يكون المخطئ مع عدم تقصيره في بذل الوسع معذورا فيجب عليه العمل بمؤدى نظره وإن كان مخطئا وأين ذلك من العلم بأحكامه تعالى كما هو المدعى ويضعفه بأن ذلك كله إنما يتم لو كان مبنى الجواب على حمل الأحكام في الحد على الأحكام الواقعية كما هو الظاهر من كلام المصنف وأما لو كان مبنيا على حمل الأحكام على الظاهرية التكليفية فلا إذ من الواضح اختلافها باختلاف الآراء للقطع بتكليف كل مجتهد ومقلديه بما أدى إليه ظنه وهي أيضا أحكام شرعية متعلقة بخطاب الشارع غاية الأمر أنها على فرض مخالفتها للواقع أحكام ثانوية وهي أيضا مطابقة على الوجه المذكور وكشف الحال أن هناك حكمين حكم واقعي وهو الذي كلفنا به أو لا لولا جهل المكلف المانع متعلق التكليف به وحكم ظاهري وهو الذي يجب علينا البناء عليه والتعبد به في ظاهر الشرع بمقتضى الأدلة الشرعية سواء علمنا مطابقته للأول أو ظنناه أو شددنا فيه أو ظننا خلافه أو علمنا المخالفة كما هو في بعض الفروض فالنسبة بينهما عموم من وجه والفقه بحسب الاصطلاح هو الثاني والعلم به يحصل عن أدلة الشرعية التي قررها صاحب الشريعة وأوجب علينا العمل بمؤداها وهي الأدلة التفصيلية المذكورة في الحد فعلم بذلك أن تفسير الأحكام بالظاهرية يعم الواقعية أيضا فلا حاجة إلى حملها على الأعم من الظاهرية والواقعية كما في كلام بعض الأفاضل بل لا يخلو ظاهر ما ذكر عن مناقشة كما لا يخفى فإن قلت لو كان الأمر كما ذكر فلا فرق بين المصوبة والمخطئة إذ المفروض مطابقة الحكم المذكور للواقع أيضا وإن كان مخالفا للحكم الأول غاية الأمر أن يكون الثاني ثانويا ولا شك أن الأحكام الواقعية ليست كلها أولية لاختلاف الأحكام الواقعية