الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
84
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
فيما يمكن بقاؤه وعدمه في غيره وعزاه في النهاية إلى قوم إلا أنه قال في أثناء الاحتجاج أن الفرق بين ممكن الثبوت وغيره منفي بالإجماع وهو يومي إلى حدوث القول المذكور أيضا وكونه خرقا للإجماع ولبعض المتأخرين من أصحابنا تفصيل آخر وهو أن المشتق حقيقة في الماضي إذا كان اتصاف الذوات بالمبدأ أكثريّا بحيث يكون عدم الاتصاف بالمبدأ مضمحلا في جنب الاتصاف ولم يكن الذات معرضا عن المبدإ أو راغبا عنه سواء كان المشتق محكوما عليه أو به وسواء طرأ الصفة أو لا وربما يفصل في المقام بين الألفاظ وخصوص المشتقات فلا يجعل هناك ضابطة في الاشتقاق بل يقال بدوران الأمر في كل لفظ مدار ما هو متبادر منه فنحو القائل والضارب والأكل والشارب والبائع والمشتري حقيقة في الأعم ونحو النائم والمستيقظ والقاعد والحاضر والمسافر حقيقة في الحال وربما يجعل الأصل في أسماء المفعولين البناء على الأول نظرا إلى غلبة وضعها لذلك والأصل في الصفات المشبهة وأسماء التفضيل هو الثاني لذلك أيضا فيلحق المشكوك في الغالب وقد يقال بخروج المشتقات المذكورة في محل النزاع حسبما أشرنا إليه حجة القول بعدم اشتراط البقاء وجوه أحدها الأصل فإنها تستعمل تارة في الحال وتارة أخرى في الماضي والأصل فيما استعمل في معنيين أن يكون حقيقة في القدر المشترك بينهما دفعا للاشتراك والمجاز ثانيها التبادر إذ التبادر من القائل والضارب والمحسن والمكرم والبائع والمشتري ونحوها هو من تحقق منه تلك المبادي سواء كان في حال صدوره أو بعدها ولذا تجد الفرق بين قولنا ضارب وضارب الآن وهكذا في غيره وليس ذلك إلا لإطلاق الأول وتقييد الثاني ثالثها عدم صحة السلب إذ لا يصح سلب القاتل والضارب مطلقا عمن وقع منه القتل أو الضرب وانقضى فيفيد ذلك اندراجه في المفهوم المذكور فيكون موضوعا لما يعمه رابعها أنه يصح قطعا أن يقال في العرف على سبيل الحقيقة لمن وقع منه الضرب في اليوم السابق أنه ضارب أمس وصدق المقيد يستلزم صدق المطلق خامسها صحة تقسيمها إلى المتلبس بالمبدأ في الحال والمتلبس به في الماضي وظاهر القسمة يعطي كون المقسم حقيقة فيما يعم القسمين سادسها صحة تقييدها بالحال والماضي تقول زيد ضارب الآن وضارب أمس من غير تكرار ولا تناقض ولو كانت حقيقة في أحد الأمرين لزم أحد المذكورين سابعها أنها لو كانت حقيقة في الحال خاصة لكان إطلاق المؤمن على الغافل والنائم والمغمى عليه مجازا لعدم حصول المبدإ فيهم ومن الواضح خلافه للإجماع على صدق المؤمن عليهم في تلك الأحوال من غير شك ثامنها أنه لو اعتبر في صدق المتلبس بالمبدأ في الحال للزوم أن لا يصح الاشتقاق من المبادي التي لا يمكن حصولها في الحال والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فظاهر إذ ما لا يمكن وجوده في الحال لا يعقل حصول الاتصاف به في الحال وأما بطلان التالي فللزوم عدم صدق المخبر والمتكلم وكذا الصادق والكاذب والآمر والناهي ونحوهما على أحد إذ الخبر اسم لمجموع القول الذي يحتمل الصدق والكذب ومن البين أنه تدريجي الحصول غير قار الذات فلا يمكن اجتماع أجزائه في الوجود وليس الكل والجزء متشاركين ليجزي في صدق التلبس به التلبس بجزئه فلا قيام له بها في الحال وكذا الكلام في الكلام والصدق والكذب والأمر والنهي أما الأول والأخيران فلكونها أسامي للحروف الصادرة على الترتيب ولا يمكن الاجتماع بينها في الوجود وأما الثاني والثالث فلأنهما متعلقان بالخبر وهو غير حاصل في الحال تاسعها أنه لولا الوضع للأعم لما صح الاستدلال بقوله تعالى الزانية والزاني وقوله السارق والسارقة على وجوب حد الزاني والسارق لانصرافهما إذن بمقتضى الوضع إلى من تلبس بالزنا والسرقة حال نزول الآية فلا يندرج غيرهم فيها وهو فاسد لاحتجاج العلماء خلفا عن سلف بهما على ثبوت الحكم لمطلق الزاني والسارق وهذا التقرير مبني على كون المراد بالحال في المقام حال النطق وقد عرفت أنه خلاف التحقيق فالصواب تغير الاحتجاج بجعل التالي عدم صحة الاستدلال بهما على وجوب الحد إلا على من كان مشغولا بالزنا أو السرقة متلبسا بهما دون من وقع منه ذلك وانقضى وهو خلاف ما اتفقوا عليه على ما ذكر عاشرها ما يستفاد من ظاهر غير واحد من الأخبار فعن الصادق عليه السلام بعد ذكر قوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين من عبد صنما أو وثنا لا يكون إماما وليس الوجه في ذلك إلا صدق الظالم عليه بذلك وإن تاب عنه وفي خبر آخر عن النبي صلى اللَّه عليه وآله إلا أنه قال أنا دعوة أبي إبراهيم فسئل عن ذلك فذكر صلى الله عليه وآله ما أوحى الله إلى إبراهيم من جعله إماما للناس وسؤاله ذلك لبعض ذريته إلى أن قال صلى اللَّه عليه وآله لا أعطيك لظالم من ذريتك عهدا فقال إبراهيم عندها واجنبني وبني أن نعبد الأصنام قال فانتهت الدعوة إلي وإني وعلي لم نسجد للصنم واتخذني نبيا واتخذ عليا وصيّا فإن الظاهر من سياقه أن من سجد للصنم لا يناله العهد وليس ذلك إلا لاندراجه في الظالم حادي عشرها اتفاق أهل اللغة على أن اسم الفاعل بمعنى الماضي لا يعمل ولولا صحة إطلاقه على الماضي لما أمكن ذلك كذا قرّره العلامة في النهاية وهو بظاهره غير متجه لوضوح أن غاية ما يفيده الاتفاق المذكور صحة استعماله في الماضي فهو مما لا كلام فيه إلا أن يقال أن اتفاقهم على الحكم المذكور يشير إلى كونه معنى حقيقيا نظرا إلى ظهور حكمهم بكونه معنى للمشتق واختصاصه بحكم مخصوص في ذلك وقد يقرر الاحتجاج بوجهين آخرين أشار إليهما العضدي أحدهما أن أهل اللغة أجمعوا على صحة ضارب أمس والأصل في الإطلاق الحقيقة ويوهنه ما عرفت من ضعف الاستناد إلى الأصل المذكور في متعدد المعنى إلا أن يرجع ذلك إلى الوجه الأول وهو خلاف ظاهر التقرير المذكور مع أنه موهون أيضا بما عرفت مضافا إلى أنه لا حاجة إذن إلى الاستناد في صحة استعماله إلى إجماع أهل العربية على صحة الاستعمال المذكور إذ جواز إطلاقه على المتلبس في الماضي في الجملة مما لا كلام فيه ثانيهما أنهم أجمعوا على أنه اسم فاعل فلو لم يكن المتصف به كذلك فاعلا حقيقة لما أجمعوا عليه عادة وتوضيحه أنهم اتفقوا على كون لفظ الضارب اسما للفاعل فيما إذا أطلق على من انقضى عنه كون المتلبس بذلك الفعل فقد اتفقوا على صدق الفاعل عليه مع انقضاء تلبسه به وهو أيضا من جملة المشتقات فظاهر إجماعهم يفيد كونه حقيقة لبعد كون اتفاقهم على الصدق المجازي ويوهنه أن ما أجمعوا عليه كونه اسم الفاعل لمعناه المصطلح دون معناه الاشتقاقي ولو فرض إرادة ذلك فيمكن تصحيحه بإطلاق الفاعل حينئذ على المتلبس في الحال بالمعنى المتقدم كما لا يخفى وقد يقرر ذلك بوجه آخر وهو أن لفظ الضارب بالمعنى المذكور اسم فاعل حقيقة للاتفاق عليه فقضية الاتفاق المذكور أن يكون استعمال اسم الفاعل بمعنى الماضي حقيقة وهو في الوهن كسابقه نظرا إلى كونه من باب