الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

85

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

اشتباه العارض بالمعروض وقد وقع منهم نظائر هذا الاشتباه في موارد أخر يأتي الإشارة إليها إن شاء الله تعالى ثاني عشرها أنهم قالوا في تعريف اسم الفاعل أنه ما اشتق من فعل لمن قام به فظاهر لفظ قام هو القيام في الماضي وقضية ذلك كونه حقيقة في خصوص الماضي فلما قام الإجماع على كونه حقيقة في الحال في الجملة لزم حمله إذن على ما يعمها وحمله على خصوص الحال بعيد جدا كما أن حمله على ما يعم الثبوت ولو في الاستقبال مضافا إلى كونه أبعد من الوجه المذكور مدفوع بالإجماع فدل ذلك على وضعه لمن تحقق فيه المبدأ في الجملة سواء كان في الماضي أو في الحال وهو المدعى والجواب أما عن الأول فيما عرفت من ضعف الاستناد إلى الأصل المذكور في إثبات اللغات سيما فيما إذا كان الاستعمال في القدر المشترك غير متحقق الحصول كما في المقام مضافا إلى أن الإطلاق على الماضي غير ثابت في كثير من المشتقات كالأحمر والأصفر والنائم واليقظان والقائم والقاعد ونحوها فهو أخص من المدعى ودعوى انتفاء القائل بالفصل في المقام محل منع على أن المتبادر من الأمثلة المذكورة خصوص الحال وهو دليل المجازية في غيرها ولا ريب أن ذلك أقوى في الدلالة من الأصل المدعى وقد يورد عليه أيضا أن ذلك إنما يتم إذا لم يعلم كونه حقيقة في خصوص أحد المعنيين إذ قضية الأصل مع العلم به ترجيح كونه مجازا في الآخر والقدر المشترك بينهما دفعا للاشتراك المرجوح بالنسبة إلى المجاز وهو كذلك في المقام لإجماعهم على كونه حقيقة في الحال ويدفعه ما عرفت من أن إجماعهم على الأعم مع كونه معنى حقيقيا أو مصداق حقيقيا له على خصوص الأول كما قد يتراءى في بادي النظر وأما عن الثاني فبما عرفت من انتفائه بتبادر خلافه أيضا في موارد كثيرة أخرى على أن تبادر القدر المشترك منها في الأمثلة المذكورة محل نظر حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى وأما عن الثالث فبأنه إن أريد بذلك عدم صحة سلب الضارب عنه بالنسبة إلى ماضي النطق وإن كان بملاحظة حال تلبسه به فممنوع إذ لا يفيد إلا كونه حقيقة في حال التلبس وهو كما عرفت خارج عن محل البحث وإن أريد عدم صحة سلبه عنه بحسب حال النطق نظرا إلى تلبسه به في الماضي فممنوع على أنه معارض لصحة السلب في أمثلة كثيرة أخرى مما تقدم الإشارة إليها وأما عن الرابع فبأن صدق قولنا ضارب أمس في المثال المفروض ليس من محل النزاع لاستعماله إذن في حال التلبس حسبما مرّ بيانه وما ذكر من استلزامه صدق زيد ضارب مع الإطلاق وإن أريد به صدقه عليه بملاحظة حال اتصافه به أعني الأمس فلا يفيد المدعى إذ ذلك أيضا من قبيل إطلاقه على حال التلبس وإن أريد صدقه بالنسبة إلى حال النطق فممنوع وصدق المقيد لا يستلزم إلا صدق المطلق على نحو المقيد لقضاء صدق المطلق نظرا إلى حصوله في ضمن ذلك القيد لا بالنظر إلى حصول آخر وأما عن الخامس فبعد ما عرفت من وهن دلالة التقسيم على الحقيقة أن القسمة المذكورة إنما يفيد كونه حقيقة في الأعم من حال النطق وهو غير المدعى لما عرفت من الاتفاق على كونه حقيقة في حال التلبس وهو أعم من حال النطق فيصدق الضارب في المثال المفروض على من هو متلبس بالضرب في حال النطق وعلى من انقضى عنه بملاحظة تلبسه به في الوقت الملحوظ في إطلاقه عليه ومع تسليم صحة التقسيم بالنسبة إلى حال التلبس وماضيه أيضا فهو إنما يجري في بعض الأمثلة دون غيرها فلا يفيد تمام المدعى على أنه معارض بصحة السلب وغيرها من علائم المجاز الحاصلة فهي أمثلة أخرى حسبما أشرنا إليها وبنحو ذلك يجاب عن السادس أما عن السابع فأولا بأن التصديق حاصل للنفس في الحالتين المذكورتين من غير أنه غير ملتفت إليها فيهما وفرق بين حصول التصديق والالتفات إلى حصوله كيف ولو كان التصديق مرتفعا بالنوم أو الغفلة توقف حصوله ثانيا على كسب جديد وليس كذلك قطعا وما يقال من أن التصديق يتوقف على تصور أطرافه والحكم بوقوع النسبة أولا وقوعها غير حاصل في حال النوم أو الغفلة مدفوع بأن حصول الصورة في النفس غير التفاته إلى ذلك الحصول وأقصى ما يسلم حينئذ انتفاء الالتفات لا نفس الحصول فتصور الأطراف والحكم بثبوت المحمول للموضوع أو نفيه عنه حاصل للنفس إلا أنه غير ملتفت إلى شيء منها في الحالتين وما بمنزلتهما وما قد يقال من عدم توقف التصديق على تصور الأطراف في بقائه واستدامته وإنما يتوقف عليه في ابتداء حصوله غير متجه كيف وليس التصديق إلا في الحكم أو مجموع الحكم أو التصورات فكيف يعقل حصوله من دونها ابتداء أو استدامة وقد يقال مثل ذلك في طريان الجنون أيضا إذ لا يحتاج الجنون بعد دفع الجنون إلى تحديد الاكتساب لما حصله من العلوم فهي حاصلة له موجودة عنده في الخزانة إلا أن الجنون مانع من التفاته إليها كالسكر والإغماء فإبدال النائم والغافل بالمجنون غير مانع في المقام نعم لو طال جنونه بحيث زالت الصورة المذكورة عن النفس بالمرة صح ما ذكر إلا أن صدق المؤمن عليه على سبيل الحقيقة غير مسلم وإنما هو في حكم المسلم كالأطفال بل لو بني الأمر على ذلك في كل مجنون لم يكن بعيدا وربما يستظهر ذلك من كلام جماعة من الأصحاب وثانيا بأنه أخص من المدعى أو غير مطابق للدعوى فإنه إن جعل النزاع في الأعم مما يكون المبدأ فيه حدوثيا وغيره كما هو الظاهر فهو غير واف به وإن خصّ بما كان المبدأ فيه حدوثيا فهو غير مطابق للمدعى وثالثا بانتقاضه بعدم صدق المؤمن بعد ارتداده وعدم صدق الكافر عليه إذا سبق منه الكفر وإلا لكان جملة من أكابر الصحابة كفارا على الحقيقة والجواب عنه بكون المنع هناك من جهة الشيوع دون اللغة جار في المقام ورابعا بالتزام عدم صدق المؤمن عليه حينئذ على سبيل الحقيقة وإنما هو بحكم المؤمن في الشرع وهو كما ترى وأما عن الثامن فأولا بخروج الأمثلة المذكورة عن محل النزاع على ما قيل وقد مرت الإشارة إليه وثانيا بأنه أخص من المدعى فلا يثبت به العموم والإجماع المركب غير متحقق في المقام وثالثا بأنه ليس المراد في حصول المبدإ في الحال على التحقيق العقلي بل الصدق العرفي كاف فيه وهو حاصل في المقام لصدق قولك فلان يتكلم أو يخبر في هذا الحال قطعا من غير تجوز أصلا إذا كان في حال التكلم والإخبار ورابعا بما عرفت من أن المدار في إطلاق المشتقات على ملاحظة التلبس وهي أعم من حال النطق وحينئذ فلا يمنع عدم إمكان حصول مباديها في الحال من صدقها على سبيل الحقيقة بالنظر إلى حصول التلبس بها في الزمان وإن لم يمكن اجتماع أجزائها في الوجود وأما عن التاسع فأولا بخروج الأمثلة المذكورة عن محل النزاع على ما قيل وثانيا بأنه أخص من المدعى ولا مانع من القول بالتفصيل وثالثا بقيام القرينة عليه في المقام ضرورة عدم إيقاع الحد عليه في حال تلبسه بالزنا أو السرقة ولا كلام في جواز استعمال