الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
81
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
مقصودة بواسطة صورها الذهنية وسواء قلنا بكون تلك المفاهيم بما وضع الألفاظ بإزائها مطلقة أو مقيدة بحضورها عند العقل كما هو أحد الوجوه المتقدمة نعم قد يتوهم على الوجه الأخير توقف أداء المكلف به واقعا على العلم بكون ما يأتي به هو المكلف به كما إذا قال ائتني بشاة فإنه لا بد في صدق إتيانه بالمأمور به معرفته بمعنى الشاة ثم إتيانه بمفرد يعلم اندراجه فيه ويدفعه أولا أن حضور المعنى غير العلم بوضع اللفظ بإزائه فإذا أتى بشاة عالما بكونه شاة فقد أتى بما وضع اللفظ بإزائه وإن لم يعلم بالوضع له وكذا لو أتى بالمصداق معتقدا خلافه أو شاكا في كونه مصداقا مع علمه بما كلف به لصدق إتيانه بتلك الطبيعة المعلومة وإن لم يكن اندراج ذلك المصداق فيها معلوما له حين الإتيان نعم لو كان غافلا عن الطبيعة التي كلف بإتيانها غالطا في المصداق أيضا احتمل عدم تحقق الامتثال على الوجه المذكور وثانيا أن الحضور المأخوذ في المكلف به بناء على الوجه المذكور هو الحضور عند المستعمل دون المكلف فإذا أتى بالطبيعة الحاضرة عند تحقق الإتيان سواء كان المكلف عالما بالحال أو لا نعم لا يتم ذلك على إطلاقه في العبادات وهو كلام آخر لا ربط له بهذه المسألة ومن غريب الكلام ما يتخيله بعض الأعلام من تفرع أمرين على الخلاف في المقام أحدهما الاكتفاء بأداء الأذكار الموظفة وغيرها بتخيلها بناء على القول بوضعها للصور الذهنية وأورد على ذلك أنه لا يتم فإذا كان مستندا لحكم نحو من ذكر أو من قال ونحوهما إذ لا يتحقق ذلك إلا باللسان وأجاب بأن تلك أيضا ألفاظ والمفروض وضعها للصور الذهنية قال بل يلزمه الحكم بعدم الامتثال فيما إذا قرأها مع الغفلة عن صورها الذهنية ولك أن تقول إنه يلزم بناء على ظاهر القول المذكور جواز النظر إلى المرأة الأجنبية في الخارج إذ مقتضى الأصل حمل اللفظ على حقيقتها التي هي الصور الذهنية دون الأمور الخارجية وهكذا الحال في أمثاله فلا بد من التزام ذلك أو التزام التجوز في جميع الاستعمالات وجعل ذلك من الأدلة على فساد القول المذكور وثانيهما اعتبار اعتقاد المستعمل والمكلف فيما وضع له اللفظ بناء على وضعها للصور الذهنية وإناطة الحكم بالواقع ونفس الأمر بناء على القول بوضعها للأمور الخارجية قال وهذا من أهم المباحث في الباب وكم يتفرع عليه من الثمرات مثلا أمر الشارع بإيقاع الصلاة في مواقيتها وإلى القبلة مع الخلو عن النجاسة أو أمر بترك المحرمات وغير ذلك مما تعلق به التكاليف الشرعية فلو قلنا إن المعاني الموضوع لها هي ما يكون اعتقاد المكلف يلزم دوران الأمر مدار ما اعتقده دون الواقع بخلاف ما إذا قلنا بوضعها للأمور الواقعية وأنت خبير بوضوح عدم تفرع شيء من الأمرين على المسألة المذكورة وتفريع الأول عليها مبني على حمل مراد القائل بوضعها للصور الذهنية على الصور بملاحظة أنفسها لا من حيث كونها مرآتا للواقع وقد عرفت أنه لا مجال لأن يحتمله أحد في المقام كيف ولو كان كذلك لكان اللازم على القول المذكور الاكتفاء في أداء العبادات والمعاملات والواجبات والمحرمات وغيرها بمحض التخيلات وكذا في سائر الأحكام الجارية في العادات أو التزام التجوز في جميع تلك الاستعمالات ومن البين أن عاقلا لا يقول به ومثله لا يليق أن يذكر في الكتب العلمية ولا أن يعد ثمرة وتفريع الثاني مبني على الخلط بين هذه المسألة ومسألة أخذ الاعتقاد في مدلولات الألفاظ وقد عرفت الفرق بين المقامين وأن اعتبار ذلك مما لم يذهب إليه أحد من المحققين وإنما ذلك من توهمات بعض القاصرين نعم قد وقع الكلام بين جماعة من الأعلام في خصوص بعض الألفاظ كالطاهر والنجس بحسب الشرع نظرا إلى ما يفيده بعض الأخبار وهو كلام آخر ومما يستطرف في المقام ما قد يسبق إلى أوهام البعض من تفرع حرمة النظر إلى صورة الأجنبية والمرأة أو المنقوشة في الحائط أو القرطاس وهو إنما نشأ من الاشتراك في لفظ الصورة نعم لو ذكر مكان ذلك تخيل الصورة الأجنبية أمكن التفرع بناء على الخيال المذكور الثانية عشر [ في البحث حول المشتق . ] لا خلاف ظاهرا في كون المشتقات من الصفات كاسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة ونحوها حقيقة في الحال لا بمعنى وضعها لخصوص الحال على أن يكون الزمان جزءا من مدلولها ولا بمعنى اعتبار اتصاف الذوات التي تجري عليها بمباديها في خصوص الحال التي يحكم فيها بثبوتها لموصوفاتها ليلزم القول بالاشتراك ولو قيل بكونها حقيقة في الماضي بل المراد كون إطلاقها على ذلك في الجملة على سبيل الحقيقة سواء كانت موضوعة لخصوص ذلك أو لما يعمه فهي حقيقة في ذلك في الجملة سواء كانت موضوعة له بالخصوص أو كان ذلك مصداقا حقيقيا لما وضع له وقد نص جماعة من القائلين بكونها حقيقة في الماضي حقيقة في القدر المشترك فلا وضع عندهم بالنسبة إلى خصوص الحال كما قد يتوهم في المقام وكذا الاختلاف في كونها مجازا في الاستقبال سواء أخذ فيها معنى الاستقبال أو أريد إثبات ذلك المفهوم له حال الحكم نظرا إلى حصوله في المستقبل فيكون الثبوت المأخوذ في تلك الصفات هو الثبوت في الجملة الشامل لثبوته في الاستقبال أيضا فيصح الحمل في الحال نظرا إلى تلك الملاحظة وظاهر ما حكي في الوافية عن صاحب الكوكب الدري احتمال كونه حقيقة في الاستقبال أيضا لذكره أن إطلاق النجاة يقتضي أنه إطلاق حقيقي فإن أراد بذلك أن حكمهم بمجيء المشتق للاستقبال كما نصوا بمجيئه للماضي والحال ظاهر في كونه حقيقة فيه فوهنه ظاهر سيما مع عدم منافاته للحال بالمعنى الذي سنقرره إن شاء الله وإن أراد الاستناد إلى إطلاقهم اسم الفاعل على ضارب غدا كما قد يحكى عنه فهو موهون من وجوه شتى سيما مع خروج ذلك عن محل الكلام أيضا إذ هو من قبيل الاستعمالات في حال التلبس وإن لوحظ فيه الاستقبال بالنسبة إلى حال النطق فما يظهر عن غير واحد من الأفاضل في كون ذلك من قبيل الاستعمال في الاستقبال بالمعنى الملحوظ في المقام كما ترى وسيظهر لك حقيقة الحال وقد وقع الخلاف في صحة إطلاقه حقيقة من جهة التلبس به في الماضي على القولين أو أقوال يأتي الإشارة إليها وقبل الخوض في المسألة وبيان الأقوال فيها والأدلة لا بد من بيان أمور ينكشف بها حقيقة المقصود أحدها أن المراد بالحال في المقام هو حال التلبس أي الحال الذي يطلق عليه اللفظ بحسبه سواء كان ماضيا بالنسبة إلى حال النطق أو حالا أو مستقبلا فلو قلت زيدا كان ضاربا أو سيكون ضاربا كان حقيقة لإطلاقه على الذات المتصفة بالمبدأ بالنظر إلى حال اتصافه وتلبسه به وإن كان ذلك التلبس في الماضي أو المستقبل وأما إذا أريد به الاتصاف في حال النطق فهو أيضا حقيقة إلا أنه لا قائل باعتبارها بالخصوص في صدق المشتقات حتى يكون إطلاقها على من تلبس في ماضي النطق أو مستقبلة مجازا مطلقا وهذا مع غاية