الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

82

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ظهوره من ملاحظة إطلاق المشتقات منصوص به في كلامهم بل حكي عن جماعة دعوى الاتفاق عليه والزمان المأخوذ في الفعل ملحوظ على الوجه المذكور أيضا فالحال الملحوظ في المضارع إنما يراد به حال التلبس على الوجه الذي قررناه سواء وافق النطق أو كان ماضيا بالنسبة إليه أو مستقبلا كما في قولك جاءني زيد وهو يتكلم وسيجيء زيد وهو يضرب عمرا وكذا الحال في حال النطق كما يظهر من الرجوع إلى العرف المضي والاستقبال فيعم كل منهما كلا من حال النطق وماضيه ومستقبله وظهور إطلاق الفعل إذا أريد به الحال في حال النطق كما يظهر من الرجوع إلى العرف إنما هو من جهة استظهار كونها حال التلبس كما أن الماضي والمستقبل أيضا إنما ينصرفان مع الإطلاق إلى ما يقابل حال النطق وربما يعزى إلى بعض القول باختصاص الحال هنا بحال النطق وقد حكي عن ظاهر أكثر العبارات وصريح بعض أن المراد بالحال في المقام هو حال النطق وربما يومي إلى ذلك ما يأتي من الاحتجاج بقول بعض النجاة على صحة قولنا ضارب أمس على كونه حقيقة في الماضي وما ذكره جماعة من كون ضارب في قولنا ضارب غدا مجازا بل في كلام العضدي حكاية الاتفاق عليه وهو لا يتم إلا على إرادة حال النطق إذ لو كان الملحوظ هو حال التلبس لم يصح الاحتجاج المذكور ولا حكمهم بالمجازية في قولنا ضارب غدا إذ ليس إطلاق الضارب في قولنا ضارب أمس أو ضارب غدا إلا باعتبار حال التلبس سواء أخذ قولنا أمس وغدا طرفا للنسبة أو قيدا في المحمول والحاصل أن إطلاق الضارب على الموضوع المذكور باعتبار حال صدقه عليه من الأمس أو الغد سواء أريد به بذلك الحكم بصدق ذلك المفهوم عليه في الأمس أو الغد كما هو الظاهر من العبارة أو أريد صدق ذلك المفهوم مقيدا بملاحظة حصوله في الأمس أو الغد عليه في الحال إذ من البين إطلاق المشتق على كل من الوجهين على الذات المتلبسة بالمبدأ فعلى الأول قد حمل على الذات الغير المتلبسة في الحال لا باعتبار حال عدم تلبسها بل باعتبار زمان تلبسها به وعلى الثاني قد لوحظ صدقه على المتلبس بالمبدأ بالنظر إلى حال تلبّسه به من الماضي أو المستقبل وحمل مقيدا بذلك الاعتبار على الذات الغير المتلبسة في الحال فليس إطلاق المشتق حينئذ إلا بالنظر إلى حال التلبس أيضا إلا أن في صحة الحمل المذكور إذن من دون حاجة إلى التأويل تأملا وهو كلام آخر لا ربط له بالمقام فبملاحظة ذلك قد يشكل الحال في دعوى الاتفاق المذكور قلت كلامهم في المرام غير خال عن الإبهام وكثيرا ما يقع الخلط في المقام والذي يقتضيه التحقيق هو ما ذكرناه والظاهر أن إطلاق الضارب في المثالين على سبيل الحقيقة حسبما قررناه وغاية ما يمكن أن يوجه به ما ذكروه أن قضية الحمل في قولنا زيد ضارب هو ثبوت ذلك المفهوم لزيد في حال النطق كما هو الظاهر من الرجوع إلى العرف فإذا قيد بذلك كان خارجا عن مقتضى وضعه نعم لو اكتفينا في صدق مفهومه الضارب بالفعل بثبوت المبدإ للذات في أحد الأزمنة الثلاثة صح الحمل على سبيل الحقيقة وكان قولنا غدا قرينة على خصوص ما هو حاصل في المقام من تلك الأقسام إلا أنه ليس ذلك هو المفهوم من المشتق بالاتفاق وهذا بخلاف قولك زيد يكون ضاربا غدا إذ قضية ثبوت المحمول له في المستقبل فلا مجاز أصلا وأما قولك ضارب أمس فيبتني المجازية وعدمه فيه على الخلاف المذكور فلو قيل بوضع المشتق للأعم من الماضي والحال فلا شك في صدق ذلك المفهوم عليه في الحال من غير تجويز وتكون ذكر أمس قرينة على تعيين أحد الوجهين فإن قلنا بوضعه للحال كان أيضا مجازا كالمستقبل والتجوز في المقام وإن كان بالنسبة إلى الحمل دون اللفظ بالنظر إلى معناه الإفرادي إلا أن السبب فيه هو ملاحظة معناه الإفرادي كما عرفت فالإجماع على المجازية في المثال المذكور من جهة إجماعهم على عدم وضعه للمعنى الأعم وأنت خبير بأن ذلك مع وهنه وإن احتمل بالنسبة إلى ما ذكر في الاحتجاج إلا أنه بالنظر إلى كلام العضدي في غاية البعد لظهور عبارته جدا في حكاية الإجماع على التجوز في المشتق إلا أن يقال أنه مع ظهور الحمل المذكور في اتصاف الموضوع بالمحمول في حال النطق يكون ذلك قرينة على استعمال المشتق في الأعم مما حصل له المبدأ في الاستقبال فيصح الحمل ويكون قوله غدا قرينة على ذلك ويجري مثله فيما ذكروه في الاحتجاج وفيه أنه لا شك في أن الملحوظ في المقام ليس إثبات مفهوم الضارب له في الحال ليلزم الملاحظة المذكورة في مفهومه حتى يصح حمله كذلك بل المقصود على الوجه الأول إثبات ذلك المفهوم له في زمان الماضي أو المستقبل وعلى الوجه الثاني إثبات المفهوم المقيد بحصوله والمستقبل في الماضي بالنسبة إلى الحال نعم قد يكون دعوى الإجماع المذكور مبنيا على ما ذكر وإن كان فاسدا كما عرفت وكيف كان فلا ينبغي التأمل في كون المشتقات حقيقة بالنسبة إلى حال المتلبس ولا عبرة فيها بحال النطق وينبغي حمل ما يتراءى منافاته لذلك من كلماتهم على ما لا ينافيه لوضوح الحال فيه وكان المنشأ في توهم البعض على ما حكي عنه انصراف جمل المشتق على الذات مع الإطلاق إلى اتصافها به حال النطق كما في قولك زيد قائم أو عالم أو نائم ونحو ذلك فتوهم من ذلك كونه حقيقة في خصوص حال النطق وهو بين الفساد إذ قضية الحمل حينئذ هو الحكم بثبوت المحمول له بالنسبة إلى الحال فيكون حال تلبسه هو حال النطق وهو بين الفساد فانصرافه إليه على القول بوضعه للحال من جهة كونه حال التلبس لا من جهة كونه حال النطق وهو ظاهر وكذا المراد بالاستقبال في المقام هو الاستقبال المقابل للحال المذكور وذلك بأن يطلق المشتق على غير المتلبس بالمبدأ نظرا إلى تلبسه به بعد ذلك كان يطلق الضارب على زيد في الحال باعتبار صدور الضرب منه في الاستقبال وهذا الذي اتفقوا على كونه مجازا فيه فمحل الخلاف هو إطلاقه على المتلبس في الماضي في مقابلة الحال والاستقبال المذكورين وليس الخلاف في كونه حقيقة في خصوص الماضي أيضا كما قد يتوهم على ما سيجيء الإشارة إليه عند بيان الأدلة بل النزاع كما أشرنا إليه في كونه موضوعا لخصوص المتلبس بالمبدأ بالنظر إلى حال تلبسه به أو لما حصل له التلبس به في الجملة سواء كان في الحال أو الماضي ليكون إطلاقه حقيقة في الصّورتين ثانيها المعروف من علماء العربية وغيرهم عدم دلالة الصفات على الزمان على سبيل التضمن على ما هو الحال في الأفعال والظاهر أنه مما لا كلام فيه وإن أوهم بعض العبائر دلالتها على الزمان كذلك إذ كونها من جملة الأسماء وعدم اندراج الزمان في مداليل الأسماء من المسلمات المشهورات كما هو ظاهر من ملاحظة حدودها وغيرها مضافا إلى اتضاح ذلك من ملاحظة الاستعمالات إذ لو كان الزمان جزء من مدلولها لدلت عليه على نحو دلالة الأفعال مع وضوح الفرق بينهما بعد ملاحظة العرف وظهور عدم انفهام الزمان منهما كذلك وقد يتراءى من كلام القائلين بكون المشتق حقيقة في الحال أن يكون