الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
78
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
القول المذكور غاية الأمر أن يكون إرادة المعنى المذكور في غير محله وذلك لا يوجب غلطا في الاستعمال كما عرفت فما ذكر من تغيير التسمية مع تغير الشبح إن أريد به تغير الاسم بالنسبة إلى من يعلم به ممنوع وليس ذلك إلا لملاحظة الصورة الحاصلة وإن أريد تغيره بالنظر إلى الواقع مع عدم ملاحظة الصورة الحاصلة ممنوع إذ من الواضح أن القائل بوضع الألفاظ للصور الذهنية لا يقول به فإن المناط عنده في تلك الملاحظة الصورة الذهنية وكذا الحال لو أريد تغيره بالنسبة إلى من يعتقده بقاء الأول لوضوح فساده ضرورة صحة إطلاق اللفظ الأول عليه بالنسبة إليه فيصح استناده إلى ذلك نظير ما مر من الاحتجاج الخامس المعارضة بأنها لو كانت موضوعة بإزاء الصور الذهنية لم يجز إرادة الأمور الخارجية منها إلا على سبيل المجاز ومن الواضح بملاحظة الاستعمالات خلافه ويدفعه ما عرفت من أنه ليس مراد القائل بوضعها للأمور الذهنية كونها موضوعة للصور بنفسها بل من حيث كونها مرآتا لملاحظة الخارج وحينئذ فإرادة الأمور الخارجية بتوسط تلك الصور الذهنية مما لا مانع منه أصلا ولا يقتضي تجوزا في اللفظ كيف ولا بد من التوسط المذكور على القولين وإن كان هناك فرق بين الوجهين حسبما عرفت وأن المراد وضعها للمفاهيم من حيث كونها مدركات للعقل وحينئذ لا تجوز في إطلاقها على الأمور الخارجية أيضا ضرورة صدق تلك المفاهيم عليها غاية الأمر أن يعتبر في استعمال اللفظ فيها كونها مدركات للعقل السادس المعارضة بأنها أيضا لو كانت موضوعة بإزاء الصّور الذهنية لوجب الانتقال إليها عند الإطلاق وتبادرها في الفهم مع أنه لا ينتقل الذهن عند سماع الألفاظ إلا إلى الأمور الخارجية من غير التفات إلى الصور الذهنية وفيه ما عرفت من فساد حمل كلام القائل بوضعها للأمور الذهنية على إرادة نفس الصور والإدراكات بنفسها فعدم الالتفات إلى نفس الصور الذهنية غير مانع عن صحة القول المذكور حسبما عرفت تفصيل القول فيه فالتحقيق في الجواب أن القائل بوضع الألفاظ للأمور الخارجية إنما يقول بوضعها لها على حسب نفس الأمر ضرورة مطابقة الواقع الخارج لنفس الأمر لكن من الظاهر أنه لا بد في استعمال الألفاظ في تلك المعاني وإطلاقها بحسب الموارد من طريق إلى معرفتها حتى يستعمل الألفاظ فيها ويصح إطلاقها على مصاديقها فحينئذ نقول إن إطلاق الألفاظ المذكورة على الشبح المرئي من البعيد إمّا أن يكون على سبيل الحمل كأن يقول هذا شجر أو حجر ونحو ذلك أو استعمالها في خصوص ذلك بأن يقول هذا الشجر كذا وهذا الحجر كذا وهكذا وأما على الأول فمن البين أنه ليس المستعمل فيه لتلك الألفاظ إلا معانيها الخارجية غاية الأمر أنه مع عدم المطابقة يلزم كذب ذلك الحكم وعدم مطابقته للواقع من غير لزوم غلط في الاستعمال وحصول الكذب حينئذ مما لا مجال في إنكاره بناء على المشهور في تفسير الصدق والكذب ومنه يظهر وجه آخر لضعف الإيراد الأول إذ بناء على ما ذكره لا كذب في تلك الأخبار لكونه حجرا في اعتقاده وكذا شجرا أو إنسانا فذلك إنما يوافق مذهب النظام دون ما هو المشهور وأما على الثاني فليس استعمال تلك الألفاظ إلا في معانيها الحقيقية إذ لم يرد بالشجر والحجر والإنسان إلا معانيها الحقيقية وإنما أطلقها على الشيء المفروض من جهة اعتقاد مطابقته لها وكونه فردا لذلك المعنى وحصول تلك الطبيعة في ضمنه فالمستعمل فيه اللفظ هو معناه الكلي الخارجي أعني الطبيعة لا بشرط وإطلاقه على ذلك الفرد من جهة اعتقاد انطباقها معه واتحادها به فبعد انكشاف الخلاف وظهور عدم مطابقته لا يلزم كون ذلك الاستعمال غلطا لوضوح استعماله فيما وضع له غاية الأمر ظهور كون استعماله في ذلك المعنى في غير محله لعدم انطباق ما أطلق عليه لتلك الطبيعة التي استعمل اللفظ فيها وليس ذلك من قبيل استعمال الشجر في الحجر مثلا حتى يرد ذلك فلا دلالة في الدوران المذكور على وضع الألفاظ للحقائق الذهنية أصلا ومع الغض عن ذلك كله فغاية ما يلزم من الدليل المذكور على فرض صحة عدم وضعها للأمور الخارجية وبمجرد ذلك لا يتعين القول بوضعها للأمور الذهنية لاحتمال كونها موضوعة بإزاء المفاهيم من حيث هي مع قطع النظر عن وجودها في الذهن أو في الخارج ثالثها أنها لو كانت موضوعة بإزاء الأمور الخارجية لزم امتناع الكذب في الأخبار إذ ليس ما وضع اللفظ حينئذ إلا الأمور الموجودة في الخارج فإذا كان اللفظ مستعملا في معناه كان ذلك موجودا في الخارج إذ ليس مدلول اللفظ إلا عين ما في الخارج ومن ذلك يعلم امتناع صدق الخبر أيضا فإن الصدق والكذب مطابقة مدلول الخبر لما هو الواقع وعدمها فإذا فرض كون الكلام موضوعا بإزاء الأمور الخارجية كان مدلوله عين ما هو الواقع ولا معنى لمطابقة الشيء لنفسه وعدمها وأجيب عنه تارة بأن الدلالة الوضعية ليست كالدلالة العقلية حتى لا يمكن تخلفها عن المدلول بل إنما توجب إحضار مدلوله بالبال سواء طابق الواقع أو خالفه فيلحظ المطابقة وعدمها بالنسبة إلى المعنى الحاضر في الذهن بواسطة الدلالة المذكورة وأخرى بأن المراد وضعها للأمور الخارجية هو وضعها للموجودات الخارجية بزعم المتكلم واعتقاده لا الأمور الخارجية المطابقة لنفس الأمر فحينئذ يكون مع مطابقته للواقع صدقا ومع عدمه كذبا وثالثة بالمعارضة بأنه لو كان الكلام موضوعا للنسبة الذهنية لكان مدلول الكلام هو تلك النسبة فيكون الواقع بالنسبة إليه هو ذلك وحينئذ فيكون صدقه وكذبه بملاحظة تحقق تلك النسبة في الذهن وعدمه لا بملاحظة حصول النسبة الخارجية وعدمه فيكون المناط في الصدق والكذب باعتبار المطابقة للاعتقاد وعدمها وهو إنما يوافق مذهب النظام دون المشهور ورابعة أخص من المدعى فإنه إنما يفيد عدم الوضع للأمور الخارجية بالنسبة إلى المركبات الخبرية دون غيرها ويرد على الأول أن الأمر الحاصل في الذهن إنما يؤخذ مرآتا لما هو مدلول اللفظ والمحكوم عليه بالمطابقة وعدمها إنما هو مدلوله والمفروض أن مدلوله هو غير ما في الخارج فلا يمكن فرض المطابقة وعدمها بالنسبة إليه وحينئذ فمع انتفاء مدلوله في الخارج يكون اللفظ خاليا عن المعنى لوضعه لخصوص الوجود في الخارج والمفروض انتفاؤه هذا إذا كان الملحوظ استعماله فيما وضع له وأما إذا فرض استعماله في غير ما وضع له أعني المفهوم المعدوم فيكون إما غلطا أو مجازا فلا يندرج أيضا في الكذب إلا أن يلاحظ كذبه بالنظر إلى ظاهر اللفظ وفيه ما لا يخفى ومع الغض عن ذلك تجعل التالي للشرطية المذكورة عدم إنكاره الكذب مع استعمال اللفظ في حقيقة وهو أيضا واضح البطلان والملازمة ظاهرة مما ذكر وعلى الثاني ما عرفت من وهن الكلام المذكور إذ لا ربط للاعتقاد بموضوعات الألفاظ خصوصا على هذا القول وأخذ العلم في معاني الألفاظ مذهب سخيف قام الدليل القاطع على فساده مضافا إلى عدم جريانه في صورة تعمد الكذب لانتفاء مطابقته لاعتقاده أيضا وعلى الثالث أن ما ذكر مبني على أن يكون المقصود وضع الألفاظ للصور الذهنية بأنفسها أو ما يقرب من ذلك وقد عرفت وضوح فساده وأنه مما لم يذهب إليه أحد إذا أريد وضعها للصور الذهنية من حيث كونها مرآتا لملاحظة الخارج أو للمفاهيم المقيدة