الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

79

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

بكونها معلومة حسبما مر فلا وجه لذلك أصلا مضافا إلى أنه لو بني الأمر في القول المذكور على ما ذكرناه فاللازم حينئذ عدم اتصاف الخبر بالصدق والكذب على القول المذكور أيضا فيكون اللازم مشترك الورود بين القولين نظرا إلى كون الواقع بناء عليه هو الأمر العرضي الذهني والمفروض أنه غير الموضوع له فلا تغاير بين المدلول والواقع حتى يعتبر المطابقة وعدمها فلا وجه لالتزام اعتبار الصدق والكذب على مذهب النظام دون المشهور وعلى الرابع بأنه إذا ثبت ذلك في المركبات الخبرية يثبت في غيرها فإنه إذا اعتبرت النسبة ذهنية فلا بد من اعتبار الموضوع والمحمول كذلك فيعم الحكم لسائر الألفاظ حتى الإنشاءات نظرا إلى وضع مباديها لذلك فيتبعها أوضاع المشتقات والتحقيق في الجواب أن يقال إن الدليل المذكور على فرض صحته إنما يفيد عدم وضع الألفاظ للأمور الخارجية المأخوذ مع الوجود شطرا أو شرطا وأما لو قيل بوضعها للماهيات بملاحظة وجودها في الخارج أو على النحو الذي اخترناه فلا دلالة فيه على بطلانه أصلا إذ تستلزم دلالة اللفظ عليها كذلك وجودها في الخارج إذ دلالة اللفظ على شيء باعتبار وجوده لا يستلزم وجوده فإن طابق مدلوله ما هو الواقع كان كذبا واللفظ مستعمل في معناه الحقيقي على الوجهين ومع الغض عن ذلك فمن البين أن أقصى ما يفيده ذلك عدم وضعها للأمور الخارجية ولا يثبت به الوضع للأمور الذهنية لإمكان وضعها للماهيات ورابعا أن في الألفاظ ما وضع للمعدومات الممتنعة أو الممكنة وما وضع للأمور الذهنية كالكلية والجنسية والفصلية ونحوها ومع ذلك كيف يعقل القول بوضعها للأمور الخارجية وفيه مع عدم دلالة ذلك على وضعها للأمور الذهنية لاحتمال كون الوضع للماهية من حيث هي وعدم ثبوت الكلية بذلك إذ أقصى ما يفيده ثبوت وضع الألفاظ المذكورة للأمور الذهنية أنه إنما يتم ذلك لو أريد وضعها للأمور الموجودة في الخارج على أحد الوجهين السابقين وأما لو أريد وضعها للأمور الخارجية على ما ذكرناه فلا وكذا لو أريد وضعها للمفاهيم بالنسبة إلى وجودها في الخارج ولو امتنع وجودها كذلك نعم يتم حينئذ بالنسبة إلى المعدوم واللاشيء وكذا المفاهيم الذهنية مما لا يقبل الوجود في الخارج وقد مرت الإشارة إليه حجة القول بوضعها للماهيات مع قطع النظر عن وجودها في الذهن أو الخارج أنها المنساقة من تلك الألفاظ ولذا لا تدل الألفاظ الموضوعة لمعانيها على وجود تلك المعاني وصح الحكم على معانيها بالوجود والعدم وفيه أنه إن أريد بالماهية المفهوم من حيث كونه عنوانا لمصداقه بحسب الواقع فهو راجع إلى ما قلناه وإن أريد بها من الماهية حيث هي بحيث يعم الصورة الحاصلة منها في الذهن أو الوجود في الخارج فالتبادر المدعى ممنوع بل من البين خلافه إذ لا تبادر من الألفاظ إلا المفاهيم على النحو الذي قررناه والوجه في القول الرابع ما ذكر في القول بوضعها للماهيات إلا أن ذلك الوجه إنما يجيء بالنسبة إلى الكليات وأما الأمور الشخصية فلا يصح القول بوضعها للماهية ضرورة عدم كون أسامي الأشخاص كزيد وعمرو موضوعة بإزاء نفس ماهية الإنسان من حيث هي وليس هناك مع قطع النظر عن الوجودين ماهية غير ماهية الإنسان ليتحصل بانضمامها ماهية الشخص بل ليس في هوية الشخص إلا الماهية الكلية بعد انتزاع العقل إياها عن الوجود فهي إنما تكون شخصا بانضمام الوجود إليها من غير حاجة إلى انضمام أمر آخر من العوارض الخارجية أو أمر نسبته إلى الماهية نسبة الفصل إلى الجنس فهي إذا انضم إليها الوجود الخارجي كانت شخصا خارجيا وإذا انضم إليها الوجود الذهني كانت شخصيا ذهنيا فالوجود هو الأمر الذي نسبته إلى الماهية النوعية نسبة الفصل إلى الجنس لتحصل الشخص من جهة فصيرورتها شخصا إنما هي باعتبار انضمام أحد الوجودين إليها ومن البين أيضا استحالة حصول كل من الوجودين في ظرف الآخر فيستحيل أيضا حصول كل من الشخصين كذلك إذا الشخص الخارجي لا يكون إلا في الخارج كما أن الذهني لا يكون إلا في الذهن إذا تقرر ذلك تبين أنه ليس الموضوع له في الجزئيات سوى الماهية المنضمة إلى الوجود الخارجي وفي الجزئيات الذهنية سوى المنضمة إلى الوجود الذهني وقد عرفت أن الألفاظ الموضوعة للكليات إنما وضعت للماهيات من حيث هي الشاملة للموجود منها في الذهن أو الخارج فصح ما ذكر من التفصيل قال بعض أفاضل المحققين إن هذا هو الحق الذي لا محيص عنه إن أريد بوضع الألفاظ للجزئيات الموجودة في الذهن أو الخارج وضعها للذوات المعينة التي لو كانت موجودة في الذهن أو الخارج على أن يكون الموجود الخارجي أو الذهني وضعا تقديريا للموضوع له فإنه لو اعتبر الوجود جزء من الموضوع له أو وضعا محققا له كما يوهمه ظاهر القول بأنها موضوعة للموجودات الذهنية أو الخارجية كان فاسدا فإنا نقطع بأن المفهوم من زيد مثلا ليس إلا الذات المتشخصة من دون التفات إلى كونها موجودة في الخارج أو معدومة فيه ولذا صح الحكم عليه بالوجود والعدم الخارجيين وجاز التردد في كونه موجودا في الخارج أو لا قال والظاهر أن مراد القائل هو ذلك المعنى وإن كانت عبارته موهمة بخلافه قلت إن صح ما ذكر في الاحتجاج على وضع الجزئيات للأمور الخارجية أو الذهنية من عدم تعين الماهية مفهوما إلا بعد ضم الوجود بأن لا يكون هناك وراء عين الوجود الخارجي أو الذهني أمر يوجب تعين ذلك المفهوم فحينئذ كيف يمكن أن يتعين لها ذات من دون انضمام الوجود الخارجي أو الذهني إليها وأيضا بعد فرض عدم تعين الماهية بملاحظة الخارج إلا بانضمام عين الوجود الخارجي إليها مع ما هو واضح من عدم إمكان حصول عين الوجود الخارجي في الذهن لا يمكن القول بحصول مفهوم الجزئي في الذهن نظرا إلى عدم إمكان حصول ما يعينه فيه فحينئذ كيف يصح القول بوضع الألفاظ بإزائها ضرورة كون المقصود من وضعها إحضار معانيها بالبال عند استعمال ألفاظها والمفروض امتناع حصولها كذلك وإن قيل بإمكان تعين الماهية بحيث تكون مفهوما يمنع صدقه على كثيرين مع قطع النظر عن تحقق الوجود له في الخارج وعدمه كما هو قضية ما ذكر وهو الحق في ذلك بطل ما ذكر من الاحتجاج وجاز وضع بإزاء ذلك المفهوم على حسب سائر المفاهيم من غير فرق أصلا والحاصل أنه إذا كان للجزئي مفهوم حاصل عند العقل كما أن الكلي مفهوما كذلك وعلى ما هو قضية تقسيم المفهوم إلى الكلي والجزئي لم يكن هناك فرق بين الأمرين وكانا على حد سواء وكون ذلك المفهوم في الجزئي الخارجي مرآتا لملاحظة الخارج جار بالنسبة إلى الكلي أيضا فإنه أيضا عنوان للأمر الخارجي حسبما مر بيانه فالتفصيل المذكور غير متجه في المقام هذا واعلم أن بعض الأفاضل جعل النزاع في المسألة مبنيا على النزاع في المسألة المعلوم بالذات فمن قال بكون المعلوم بالذات هو الصورة الذهنية وذو الصورة يكون معلوما بالتبع من جهة انطباقه معه بجعل الألفاظ أسامي للصور الذهنية ومن قال بأن المعلوم بالذات إنما هو ذو الصورة نظرا إلى أنه الملتفت إليه والصورة مرآة لملاحظته ولذا لا يحصل الالتفات إليها عند ملاحظة ذي الصورة كما هو الشأن في الأمور التي يجعل مرآتا لملاحظة غيرها فإن من شأن المرآة أن لا يلحظ مرآتا عند جعلها مرآتا فالألفاظ عنده أسامي للأمور