الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
77
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الصور الحاصلة وهي التي ينتقل إليها من الألفاظ فتكون الألفاظ موضوعة بإزائها وهي مرآة لملاحظة الأمور الخارجية وآلة لمعرفتها ويدفعه أن كون التفهيم والتفهم بحصول الصور لا يستدعي كون الألفاظ موضوعة بإزاء الصور لجواز أن تكون موضوعة للأمور الخارجية ويكون الانتقال إليها بواسطة صورها ضرورة انحصار طريق العلم بها حينئذ بذلك فليس المنتقل إليه إلا نفس الأمور الخارجية إلا أن الانتقال إليها بحصول صورها لا أن المنتقل إليه هو نفس الصورة وهذا هو الظاهر من ملاحظة العرف فإن قلت بأن الصورة الحاصلة إذا أخذت مرآتا للخارج ووضع اللفظ بإزائها من تلك الجهة كان المنتقل إليه أولا بحسب الملاحظة هو الأمر الخارجي قطعا إلا أن المنتقل إليه في الواقع هو الصّورة أولا فكون المنتقل إليه بحسب العرف الأمور الخارجية أولا إنما هو من هذه الجهة لا لكون اللفظ موضوعا بإزائها قلت الظاهر تعلق الوضع بما يحصل الانتقال من اللفظ إليه ابتداء بحسب ما يفهم منه في العرف حسبما مرت الإشارة إليه ومع الغض عنه فمجرد قيام ما ذكره من الاحتمال كاف في هدم الاستدلال ثانيها أنها لو لم تكن موضوعة لذلك لما اختلف بالتسمية بحسب اختلاف الصور الذهنية حيث اختلف الأسامي باختلافها إلى مع عدم اختلاف الشيء في الخارج فدوران التسمية مدار ذلك دال على وضعها بإزاء الصور الذهنية حيث اختلف الأسامي باختلافها من دون اختلاف الأمر الخارجي يدل على ذلك أن من رأي شبحا من بعيد يسميه إنسانا إذا اعتقده ذلك ثم إذا اعتقده شجرا يطلق عليه اسم الشجرة ثم إذا اعتقده حجرا أطلق عليه اسمه من غير خروج عن حقيقة اللفظ في شيء من ذلك فلو كانت الألفاظ أسامي للأمور الخارجية لزم أن يكون إطلاق غير ما هو اسمه في الواقع عليه إما غلطا أو مجازا مع أنه ليس كذلك قطعا فتوارد تلك الأسامي عليه على سبيل الحقيقة مع كون الحقيقة الخارجية متحدة ليس إلا لتعدد الصور المتواردة عليها فيكون أوضاعها متعلقة بالصور الذهنية حيث دار الاستعمال الحقيقي مدارها وكذلك لو ظن الأشياء المختلفة في النوع من نوع واحد وأطلق اسم ذلك النوع عليها كان حقيقة وإن كانت حقائقها مختلفة متباينة فظهر من اختلاف التسمية على سبيل الحقيقة مع اتحاد الحقيقة الخارجية ومن اتحادها كذلك مع اختلاف الحقيقة في الحقيقة وضع اللفظ بإزاء الصور الذهنية دون الأمور الخارجية حيث كان التسمية في المقامين تابعة للأول دون الأخير وأورد عليه بوجوه الأول المنع من الملازمة المذكورة فليس اختلاف التسمية بحسب اختلاف الاعتقاد لازما للقول بوضعها للأمور الذهنية لاحتمال كونها موضوعة للأمور الخارجية على حسب اعتقاد المتكلم فغاية ما يلزم من الدليل المذكور بطلان وضعها للأمور الخارجية المطابقة لنفس الأمر من غير مدخلية لاعتقاد المتكلم فيه إذ لا وجه إذن لتغير التسمية مع عدم اختلاف المسمى بحسب الحقيقة وأما لو قيل بوضعها للأمور الخارجية على حسب ما يعتقده المستعمل فلا مانع إذ من الظاهر حينئذ دوران التسمية مدار اعتقاد المتكلم نظرا إلى اختلاف الحال في الأمر الخارجي بحسب معتقده ويدفعه أنه إن أراد بوضعها للأمور الخارجية على حسب اعتقاد المتكلم مع اختلاف المسمى بحسب الحقيقة أما لو قيل بوضعها للأمور الخارجية على حسب ما يعتقده المستعمل فلاعتقاد المتكلم إلى أنها موضوعة بإزاء ما يعتقده المتكلم خارجيا حتى يكون الاعتقاد مأخوذا في وضع الألفاظ فهو راجع إلى المذهب الضعيف المتقدم وإن خالفه في اعتبار خصوص اعتقاد المتكلم مأخوذا في وضع الألفاظ إن أريد اعتباره فيه مطلقا وقد قام الدليل القاطع على فساده كما مرت الإشارة إليه وإن أريد وضعها للأمور الذهنية من حيث كونها مرآتا للخارج فمع بعده عن التعبير المذكور أنه بعينه مراد القائل بوضعها للأمور الذهنية لظهور فساد القول بكونها موضوعة بإزاء الأمور الذهنية من حيث حصولها في الذهن ولا مجال لذهاب أحد إليه حسبما مر بيانه فيكون ذلك إذن تسليما لكلام المستدل وإرجاعا للقول الآخر إليه الثاني أنه يجوز أن يكون لفظ الإنسان والشجر والحجر موضوعا للإنسان والشجر والحجر الخارجي إلا أن المتكلم لما ظن الشبح إنسانا في الخارج أطلق عليه ما هو موضوع له ثم لما ظنه شجرا أطلق عليه اسمه وهكذا فإطلاق اللفظ ليس إلا باعتبار كون الموضوع له هو الأمر الخارجي وفيه أن ذلك لا يصحح الاستعمال إذ غاية الأمر أن يكون المستعمل معذورا في الإطلاق نظرا إلى ظنه وأما بعد الانكشاف فلا بد من الحكم بكون الاستعمال غلطا وملاحظة حدي الحقيقة والمجاز تنادي بعدم اندراجه في شيء منها ومن البين انحصار الاستعمال الصحيح فيهما مع أنه من الواضح أيضا خلافه إذ ليس شيء من تلك الإطلاقات غلطا بحسب اللغة الثالث أنه لو تم ذلك لقضي بنفي الوضع للصور الذهنية أيضا إذ على القول بكون الألفاظ موضوعة بإزاء الصور الذهنية المطابقة لذيها بحسب الواقع كما أن القائل بوضعها للأمور الخارجية يريد بها الأمور الخارجية المطابقة للواقع فحينئذ ينبغي أن لا يطلق اللفظ إلا على الصّورة الواحدة المطابقة دون غيرها والبناء على اعتبار المطابقة في الثاني دون الأول تحكم بل فاسد إذ لا داعي الفرق وأنت خبير بما فيه إذ من البين أن القائل بوضعها للأمور الخارجية لا يحتاج إلى اعتبار المطابقة ضرورة كون الشيء الخارجي هو نفس الواقع وكذا القائل بوضعها للأمور الذهنية بالنسبة إلى مطابقتها لما في الذهن إذ ليس الأمر الذهني إلا الشيء الحاصل في الذهن فلا مغايرة في المقامين حتى يعتبر المطابقة في المقام بين الصورة الحاصلة وذيها وهو حاصل ضرورة اتحادهما بالذات وإن تغايرا بالاعتبار وأما المطابقة بين الصورة الحاصلة المطابقة للماهية المعلومة للمصداق الذي ينتزع منها تلك الماهية ويطلق اللفظ عليها من تلك الجهة فلا دليل على اعتبارها غاية الأمر حينئذ أن يكون استعمال اللفظ في المعنى المذكور في غير محله وذلك لا يستدعي غلطا في الاستعمال الرابع المعارضة بقلب الدليل بأن يقال إنها لو كانت موضوعة للصور الذهنية لما تغيرت التسمية مع تغير الشبح المرئي بحسب الواقع إذا لم يعلم به المتكلم وكانت الصورة الأولى باقية مستمرة والتالي باطل قطعا لامتناع إطلاق الحجر على الإنسان حقيقة فإن قيل إن الموضوع له هو صورة الشبح المطابقة له بحسب الواقع فتغيير التسمية إنما يكون من تلك الجهة قلنا قضية ذلك عدم صحة الإطلاق في الصورتين ومبنى الاحتجاج على صحتها والقول بكون المناط في صحة الاستعمال اعتقاد المطابقة للواقع جار على القول بوضعها للأمور الخارجية أيضا فيصح توارد الأسامي المختلفة مع اتحاد المسمى نظرا إلى اختلاف الاعتقاد ففيه هدم الاحتجاج وتجويز ذلك على القول بوضعها للأمور الذهنية دون القول بوضعها للأمور الخارجية تحكم بحت وفيه أن الاعتقاد لا يصحح الاستعمال بحسب الواقع وإنما يصححه بحسب اعتقاد المستعمل فبعد انكشاف الخلاف ينبغي الحكم بالغلط حسبما مر ومن المعلوم خلافه وذلك إذن شاهد على وضعها للأمور الذهنية لما عرفت من الوجه في صحة الاستعمال حينئذ على