الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
72
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وليس الأمر مبنيا على التعبد حسبما مر تفصيل القول فيه فظهر بما قررنا ضعف كل من الوجوه الثلاثة المذكورة التي هي المستند للأقوال المتقدمة وهناك درجتان أخريان للغلبة فوق ما ذكر قد مرت الإشارة إليهما وهما خارجتان عن محل الكلام لخروج اللفظ معهما عن حد المجاز واندراجه في الحقيقة وما قد يقال من أن مجرد الغلبة لا يكون باعثا على حمل اللفظ عليه من دون البلوغ إلى حد الحقيقة كيف ولو كان قاضيا بذلك لزم رجحان المجاز على الحقيقة مطلقا نظرا إلى غلبة مطلق المجاز على الحقيقة حتى اشتهر أن أكثر اللغة مجازات والبناء على كون العام مخصصا قبل ظهور المخصّص نظرا إلى شهرة التخصيص وغلبته في الاستعمالات مدفوع بأنه ليس المدار في المقام على مطلق الغلبة بل الغلبة القاضية بانصراف اللفظ على ذلك المعنى أو الباعثة على توقف الذهن عن الحمل على الحقيقة بحسب المتفاهم بين الناس ومن البين أن استعمال المجازات والعمومات المخصصة ليس كذلك فكان الوجه فيه أن اشتهار الاستعمال في غير المعنى الحقيقي هناك نوعي لا شخصي لعدم شيوع استعمال اللفظ في خصوص مجاز أو مرتبة من التخصيص مضافا إلى كون الاستعمالات هناك مقرونة في الغالب بالقرينة الصّارفة ومثل ذلك الغلبة لا يوجب صرف اللفظ غالبا عند الإطلاق على نحو ما إذا اشتهر اللفظ في مجاز مخصوص سيما إذا كان كثيرا من استعماله خاليا عن القرينة المقارنة ويعلم الحال فيه من ملاحظة الخارج كما لا يخفى على المتأمل على أن دعوى اشتهار المجازات وغلبتها على الحقائق غير ظاهرة بل من الظاهر فساده فإن من البين أن غالب الاستعمالات العرفية والمخاطبات المتداولة من قبيل الحقائق دون المجازات وإنما يؤتى بالمجاز في بعض المقامات لمراعاة بعض النكات فإن أريد بما اشتهر من أن أكثر اللغة مجازات هذا المعنى وهو بين الفساد وقد مرت الإشارة إليه وإلا فلا دلالة فيه على ذلك ومنها أنه لو كان أحد معنيي المشترك مهجورا وقامت قرينة على عدم إرادة الآخر فدار الأمر بين إرادة المعنى المهجور أو الحمل على المجاز فإن كان معناه المجازي مشهورا في الاستعمالات فالظاهر تقديمه على الحقيقة المهجورة ومع عدمه ففي تقديم الحقيقة المهجورة نظرا إلى كونه معنى حقيقيا أو التوقف بين الحمل عليه وحمله على معناه المجازي وجهان ومنها إذا ثبت نقل اللفظ إلى معنى ودار المعنى المنقول إليه بين كونه الأقرب إلى الحقيقة أو الأبعد منه تعين الأول مع كون الوضع حاصلا بالتعيين ليكون النقل المفروض مسبوقا بالتجوز والغالب فيه مراعاة الأقرب إلى الحقيقة ولذا يحمل اللفظ عليه عند الإطلاق قبل حصول النقل بعد تعذر الحقيقة وبالجملة يجب الحكم بأن المنقول إليه هو المجاز الذي يجب حمل اللفظ عليه مع عدم ثبوت النقل سواء كان باعتبار غلبة استعمال اللفظ فيه التي هي أحد وجوه الأقربية أو باعتبار المناسبة الاعتبارية التي هي أحد وجوهها أيضا كذا قيل وأنت خبير بأنه إذا علم تحقق الغلبة بالنسبة إلى أحدهما بخصوصه فلا مجال للشك وإلا فمجرد الأقربية غير قاض بذلك لتفرع النقل على غلبة الاستعمال وهي إنما تتبع شدة الحاجة لا مجرد القرب من الحقيقة كما مر وليس الوجه في حمل اللفظ على أقرب المجازات بعد تعذر الحقيقة كونه غالبا في الاستعمالات بل لكون نفس الأقربية معينة له عند انتفاء القرينة المعينة والمفروض انتفاء العلم في المقام بوجود القرينة المعينة وعدمه فكيف يمكن الحكم بحصول الغلبة في المعنى المفروض بمجرد ما ذكر إلا أن يقال أن الأصل عدم الحاجة إلى القرينة المعينة لما استعمل فيه فتعين بملاحظة ذلك كون المعنى المذكور هو الشائع في استعماله لافتقار غيره إلى القرينة المعينة وفيه ما لا يخفى ومنها أنه إذا ورد لفظ في كلام الشارع أو الأئمة عليهم السلام واختلف معناه بحسب اللغة والعرف العام فلا إشكال في حمله على الأول لو علم بتأخر العرف كما أنه لا إشكال في حمله على الثاني مع ثبوت تقدمه وإنما الإشكال فيما إذا لم يثبت أحد الوجهين ودار الأمر بين الحمل على الكل من المعنيين فهل يحكم بتقديم اللغة أو العرف قولان فالمحكي عن بعضهم ترجيح الأول وعن الشيخ والعلامة والشهيدين والبيضاوي القول بالثاني وهو الأظهر إذ الغالب في المعاني العرفية العامة ثبوتها من قديم الزمان كما يعرف ذلك بعد ملاحظة المعاني العرفية وتتبع موارد استعمالها في كلمات الأوائل وملاحظة كتب اللغة لبيانه غالبا للمعاني العرفية العامة ويكشف عن ذلك حكم الأكثر من عرف آرائهم بتقديم العرف إذ ليس إلا من الجهة المذكورة الباعثة على الظن بالمراد وقد حكى بعضهم عليه الشهرة بل ربما يعزى القول به إلى جميع الأصوليين وهو في الحقيقة حجة أخرى على ذلك لبعثه على المظنة الكافية في المقام وربما يستدل على ذلك أيضا باستبعاد استقرار العرف العام في المدة القليلة من بعد زمن النبي صلى اللَّه عليه وآله وبأنه لا مجال للتأمل في حمل اللفظ على معناه الثابت في العرف العام إذا لم يعرف له معنى آخر بحسب اللغة مع قيام احتمال وجوده وهو مبني على تقديم العرف إذ لولا ذلك لوجب الوقف فيه والحكم بإجمال اللفظ لاحتمال وجود معنى آخر له في اللغة واستمراره إلى وقت صدور الرواية وهو باطل بالاتفاق وأنت خبير بوهن الوجهين إذ لا بعد في استقرار العرف العام في المدة المذكورة بل فيما دونها أيضا ولو سلم فليضم إليه زمن النبي صلى اللَّه عليه وآله وما قبله ليحكم باستقرار العرف بملاحظة الجميع فلا عرف إذن في زمانه صلى اللَّه عليه وآله بل وكذا في أزمنتهم إذ المفروض في الاحتمال المذكور حصول النقل بملاحظة الكل والوجه في الحمل على المعنى العرفي في الصّورة المفروضة من جهة استظهار اتحاد العرف واللغة نظرا إلى أصالة عدم النقل ولذا تداول بينهم إثبات اللغات بمجرد ثبوت المعنى في العرف على ما هو شأن نقلة اللغات وطريقة علماء الأصول في إثبات مداليل الأمر والنهي وألفاظ العموم وغيرها حجة القول بتقديم اللغة أصالة تأخر الحادث إذ المفروض عدم ثبوت مبدأ النقل ويضعفه أن الأصل المذكور لا يعول عليه في المقام إلا بعد إفادته الظن بمؤديه لما عرفت من ابتناء اللغة على المظنة وحصول الاستفادة من العبارة فبمجرد الأصل المذكور لا تعويل عليه مع الظن بخلافه من التتبع ومصير الأكثر إليه كما عرفت ولا يذهب عليك أن قضية ما ذكرنا أنه لو شك في خصوص بعض المقامات في مبدأ النقل ولم يكن هناك مظنة بحصوله حال صدور الخطاب لزم التوقف في الحمل والحكم بإجمال اللفظ والرجوع إلى ما يقتضيه الأصول الفقهية فيؤخذ حينئذ بما وافق الأصل من المعنيين المذكورين إن وافقه أحدهما وليس ذلك من جهة حمل اللفظ عليه ليكون إثبات اللغة بالترجيح بل من جهة استقلال الأصل إذن بإثباته وعدم مزاحمة النص له لإجماله ومنها أنه لو اختلف عرفي المتكلم والمخاطب في لفظ فدار الأمر بين ذينك